ومن ذلك ما روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن « أبا جهنم » أهدى إليه ثوبا معلما ، وأخذ من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كساء أنبجانيا ، فلما صلى فيه وانصرف ، نزعه وقال : « شغل هذا قلبي ، اذهبوا بي إلى أبي جهم ، وائتوني بأنبجانيته » « 1 » .
وسترت عائشة رضي اللّه عنها بابها بستر فقال : « يا عائشة ، انزعيه فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا » « 2 » .
ولبس صلى اللّه عليه وسلم خاتما ثم صعد على المنبر ، فرماه وقال : « نظرة إليه ونظرة إليكم ، إنه شغل قلبي عنكم » « 3 » .
وشرك نعله بشراك « 4 » جديد فقال : « انزعوه وائتوني بالأول فإنه شغل قلبي » .
وأما الخصلة السادسة فلخفة الحساب ، وقلة الحبس ، ولقربه من اللّه تعالى في الآخرة في الارتفاع في الدرجات ، لأنهم إنما يدخلون الجنة بعد الرحمة بالتقوى ، ويعلون في درجاتهم بالقربة إلى اللّه تعالى بالأعمال الصالحة ، ألا تراه يقول تبارك وتعالى :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
[ المائدة : 48 ] .
وقال :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
[ فاطر : 32 ] .
وقال :
السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
[ الواقعة : 10 ] .
وقال :
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
[ البقرة : 158 ] .
وروي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أتاني جبريل ، فعرض علي خزائن الأرض ، فقال :
يا محمد ، هذه مفاتيح خزائن الأرض فخذها ، ولا تنقص مما لك عند اللّه شيئا ، فقلت :
اجمعوها لي جميعا في الآخرة » « 5 » .
فنزلت :
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً
[ الفرقان : 10 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 1 / 191 ) ، وأبو داود في ( السنن 914 ) ، وابن ماجة في ( السنن 3550 ) ، والنسائي في ( السنن 2 / 72 ) ، والحميدي في ( المسند 172 ) ، وابن خزيمة في ( الصحيح 928 ) ، وأبو عوانة في ( المسند 2 / 64 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 76 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 3 / 129 ) .
( 2 ) أخرجه الترمذي ( قيامة 32 ) .
( 3 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 300 ) .
( 4 ) الشّراك : سير النعل على ظهر القدم ( ج ) شرك وأشرك .
( 5 ) أخرجه ابن كثير في ( التفسير 6 / 104 ) ، والطبري في ( التفسير 18 / 140 ) .