أما الخصلة الثالثة : فتجريد القلوب ، وحياتها وعمارتها ، ليرجع ذلك إلى قلوبهم ، لقوله عزّ وجلّ :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
[ محمد : 17 ] .
ومن ذلك الحديث القدسي قوله تعالى : ما تعبد لي عبد بمثل أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر ، ولسانه الذي ينطق به ، وعقله الذي يعقل « 1 » به .
وإنما معنى ذلك : أنه يقوّم له عقله وجوارحه لطاعته ، لا أن اللّه يسكن في العقول والجوارح ، تعالى اللّه عن ذلك .
وقال :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
[ النحل : 128 ] .
وقال عبد اللّه بن المبارك : « الذكر يثبت الإيمان في القلب » . وقال الحسن : « إنّ العبد ليعمل الحسنة فتكون له نورا في قلبه » .
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان دائم التفكر ، متواصل الأحزان ، وذلك هو عمارة القلب بذكر اللّه .
وقيل : يا رسول اللّه ، من أكيس « 2 » المؤمنين كيسا ؟ قال : « أكثرهم للموت ذكرا » « 3 » .
وأثنى على رجل ، فقال عليه الصلاة والسلام : « كيف ذكره للموت » ؟ قالوا : ما هو كثير لذكر الموت ، فقال عليه السلام : « ليس صاحبكم حيث تذهبون » « 4 » .
وقال عليه السلام : « من استحيى من اللّه حق الحيا ، لم ينسى المقابر والبلى » « 5 » .
وروي عن الربيع بن أبي راشد ، أنه قيل له : لم لا تجالس أصحابك ؟ فقال : « إذا فارق ذكر الموت قلبي ساعة ، فسد على قلبي » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( رقاق 38 ) ، وأحمد بن حنبل 6 / 256 .
( 2 ) الكيّس : الظريف الفطن ، الحسن الفهم والأدب .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة في ( السنن 4259 ) ، والحاكم في ( المستدرك 4 / 540 ) ، وابن كثير في ( التفسير 3 / 327 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 1 / 313 ) ، والطبري في ( التفسير 8 / 20 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 229 ؛ 8 / 150 ، 419 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 3 / 229 ، 364 ؛ 4 / 435 ) ، والشجري في ( الأمالي 2 / 294 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 42129 ) ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 10 / 229 ، وابن القيسراني في ( تذكرة الموضوعات 345 ) .
( 4 ) أخرجه ابن أبي شيبة في ( المصنف 13 / 226 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 10 / 229 ) ، وابن المبارك في ( الزهد 90 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 7 / 299 ) .
( 5 ) أخرجه الترمذي ( قيامة 17 ) .