باب الغرّة بحفظ كلام المذكّرين والقصص وأحاديث الزهد وغيره
وفرقة ممن ترى أنها من أهل العلم يحفظ أحدهم كلام المذكّرين وأحاديث الزهد والذم للدنيا ، لا يعرف معنى ما يقول ، ولا ما يذكر به من الحديث ، أكثر من أنه قد حبّب إليه ذلك وخف عليه .
فمنهم من يذكر به الناس .
ومنهم من يذكره لجلسائه وإخوانه غير عارف بما يقول ، وهو مع ذلك مغترّ بذلك ، يرى أنه من العاملين للّه عز وجل ، والعلماء به ، والعارفين لذم الدنيا ، يرى أن مثله لا يعذب وهو مع ذلك تعمّى عليه أكثر ذنوبه ، لاغتراره بما يقول ويروى ، ويرى أنه - إذ حفظ من الذكر ما حفظ ، ومن الأحاديث في الزهد ما حفظ - قد جاوز مرتبة أهل الدنيا والرغبة فيها ، وأنه غير مراء ولا متكبر ولا معجب ، ولا يأتي كثيرا من الذنوب ، وإنما يفعل ذلك العوامّ الذين لا يعرفون ما يعرف هو ، فهو مغتر بما يقول ويروى ويكتب .
قلت : فبم ينفى الغرّة بذلك ؟
قال : يرجع إلى نفسه ، فينظر : أين خوفه مما يذكر من الخوف والرقة ؟
وكيف حفظه لجوارحه عما كره اللّه عزّ وجلّ ؟ وهل قلبه طاهر من كل ما يسخط اللّه عز وجل ، عند دواعيه ونوازعه ؟ أهو كما يصف به القلوب من الطهارة ونفى الأدناس عنها ؟ وهل هو كما يروى من الحديث في خشيتها