تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرعاية لحقوق الله — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
يصف من معالى الدرجات ومحامد الأخلاق ، وراكن إلى ما كان يصف من الذمّ ، ويخيّل إليه أنه تارك له ناج منه ، فعرف غرّته بذلك عند تفقّده ذلك من نفسه . فإن كان مع ذلك ممن يدعو العباد إلى ما كان يصف بلسانه ويعرفه ، من غير قيام للّه عز وجل به كما وصفت لك ، علم حين تفقد ذلك من نفسه أنه أشد بلاء وغرّة ممن كان لا يدعو العباد إلى ذلك ، وأنه كان مغترا بما يصف ويعرف ، فيعلم أنه شرّ منه ، لأنه أظهر الدعاء إلى اللّه عز وجل وهو فارّ منه ، وأنه كان يخوّف باللّه وهو له آمن ، ويذكر باللّه وينساه ، ويقرب إلى اللّه عز وجل ، ويتباعد منه ، ويحضّ على التوكل على اللّه وهو غير واثق به ، وعلى الرضاء عنه وهو ساخط عليه ، وعلى الإخلاص له وهو معامل لغيره . فحينئذ تعظم حسرته ، وتشتد ندامته ، ويحق له العذاب من اللّه تعالى . ألم تسمع ما يروى أسامة بن زيد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يؤتى بالعالم يوم القيامة ، فيرمى به في النار ، فتندلق أقتابه ، فيدور به كما يدور الحمار بالرحى ، فيطيف به أهل النار ، فيقولون له : ما لك ؟ فيقول : كنت آمر بالخير ولا آتيه ، وأنهى عن الشر وآتيه ، ولا انتهى عنه » « 1 » . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حديث أنس رضى اللّه عنه : « مررت ليلة أسرى بي بقوم تقرض شفاههم بالمقاريض ، فقلت لجبرائيل : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء خطباء أمتك ، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، وهم يتلون الكتاب ، أفلا يعقلون » « 2 » .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص 519 . ( 2 ) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 14 / 308 ( 18425 ) ، وأحمد 3 / 120 ، 180 ، 213 ، 239 ، وصححه ابن حبان 1 / 249 ( 53 ) ، وأبو نعيم في الحلية 8 / 172 .