فلما افتقد ذلك ، لم ير من قلبه فزعا من اللّه عز وجل ، ورأى نفسه متمادية متسوفة ، علم أن الأمن هو الساكن في قلبه ، إذ كان هو المستولى عليه عند حاجته إلى الخوف ، والخوف قد زايله عند حاجته إليه .
وأولى حال أن يكون الخوف من الخائفين الحال التي توعد اللّه ، عزّ وجلّ ، فيها بسخطه وعقابه ، فلما فقد الخوف عند تضييع الفرض وركوب الذنب ، علم أن الخوف زائل عن قلبه ، وأن الأمن حالّ فيه .
وكذلك جميع ما يصف بلسانه .
وإن هو قام ببعض وضيّع بعضا ، علم أنه لم يلزم قلبه من الخوف إلا بقدر ما حفظ من حق اللّه عز وجل ، وأن الخوف فيه ضعيف ، بخلاف ما كان يرى .
وكذلك يصف الزهد في الدنيا ، حتى إذا أوتى منها شيئا تشاغل به عن نفسه ، وآثر به هواه ولذته ، وأخرجه رياء للعباد ، فعلم أن الزهد لو كان ساكنا قلبه لرفض الدنيا ونبذها عن الظّفر بها ، وما آثر على اللّه عز وجل وعلى الآخرة ما هو زاهد فيه ومبغض له .
وكذلك يصف الحبّ للّه عز وجل ، وهو - عامة ليله ونهاره - ناس له عند اعتراض محبته ، وإن أراد نفسه على الخلوة والأنس بربه عز وجل استوحش ذلك وثقل عليه ؛ فإن خلا بخير لم يجد للخلوة بمناجاة ربه عز وجل نورا في قلبه ، ولا حلاوة لذكره ، وإن عرض الأنس بالمخلوقين استراح إلى ذلك ، وملأ قلبه حلاوته .
فهل رأيت حبيبا ينسى حبيبه ، ويؤثر محبة نفسه عليه ، أو يستوحش من الأنس به ، ويستأنس بغيره ، وإن كان حائلا بينه وبينه ؟ هذا كذب من
الرعاية لحقوق الله — صفحة 575
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٥٧٥