تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرعاية لحقوق الله — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
ألزم معرفتها قلبه ، ولا عبرّ عنها بلسانه . وكذلك ما يصف من تضييع حقوق اللّه عز وجل ، وما نهى عنه ، مما ذمه وأحبط العمل من أجله ، مما لا يعرف إلا بشدة التفقد له ، ولولا أنه تارك مجانب له لما لزمت معرفة ذلك قلبه ولا ذمه بلسانه . أما المغتر ، فهو يرى أنه من الخائفين للّه عز وجل وهو من الآمنين ، ومن الراجين له وهو من المغترين المضيّعين ، ومن الراضين عنه وهو من الساخطين عليه ، ومن المتوكلين عليه وهو من المتوكلين على غيره ، قليلة باللّه ثقته ، ومن المخلصين له وهو من المرائين ، حتى إنه قد يصف الإخلاص بترك الإخلاص « 1 » ليقال : مخلص ، ويصف الرياء ليقال : قد فطن إلى مذهب الرياء قلبه ، فغرّه حسن وصفه ، وبيان عبارته بلسانه ، ومعرفة قلبه بجملة ذلك كله ، وإنما ذلك كله لمعرفته بغير اعتقاد نية ، ولا عمل بضمير ولا جارحة ، إلا الشئ اليسير الذي لا يعرى أن يناله عامّة المسلمين . قلت : وكيف عرف بقلبه ووصف بلسانه ما هو منسلخ من العمل به ؟ قال : تلك معرفة اللسان من الكتاب والعلم ، وحفظ كلام المتكلمين ، ممن عمل منهم بما يقول ، فهو يصف الإخلاص لمعرفته بجمله ، ويصف الخوف لمعرفته ما الخوف ، لا أنه تكلّف الخوف حتى خاف اللّه وحذره ، ثم وصف الخوف بعد القيام به ، وكذلك جميع أخلاق الدين . وكذلك يصف الرياء بجملة المعرفة له ما هو في العلم ، وما دل عليه العلماء ، من غير تفقّد له من قلبه ؛ حذرا من اللّه عز وجل أن يطلع على قلبه وهو معتقد للرياء ، فيمقته ويحبط في القيامة عمله ، فيكون قد تفقده بحذر من اللّه عز وجل ونفاه واتقاه وجانبه ، ثم وصفه بعد حذره من اللّه عز وجل من
هامش
( 1 ) معنى ذلك أنه يشرح معنى الإخلاص بأعلى درجاته وهو ترك ملاحظة العبد إخلاصه ، إذ صار لتمكنه من قلبه سجية وملكة يجرى من غير تفقد له أو شعور به ، ولا ينسب ذلك لنفسه ، بل ينسبه للّه تبارك وتعالى .