تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرعاية لحقوق الله — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
أجله ، ونفيه إياه عن قلبه ، ولكن يصف ما عرفه من العلم من محبّة اللّه عز وجل وما يكره ، من غير تفقّد منه لنفسه ، ولا قيام اللّه بما يحب في جميع ذلك . قلت : هذه الغرة المستحكمة ، كيف له أن ينفى الغرّه بذلك من بعد ما علم أنه مغتر ، وما الدليل عنده أنه مغترّ بجميع ذلك غير قائم به ؟ قال : إن الوصف للعلم غير العمل به ، فليبل « 1 » نفسه عند العمل بذلك ، فإنه يبين له أنه مغتر ، لأنه إنما خاف من اللّه عز وجل وسكن الخوف قلبه فيما يرى أن يعذبه بذنبه ، كما قال على رضى اللّه عنه : « لا يخاف أحدكم إلا ذنبه » ، وإن كان اللّه عز وجل يستأهل أن يخافه العبد وإن لم يذنب ذنبا ، كما خافته الملائكة وإن لم تذنب ذنبا ، لأن أول منازل الخائفين الخوف من الذنوب فإذا بلى نفسه واختبرها عند أول منازل الخائفين فافتقد الخوف منها ، فلم يجده علم أنه اغتر بما يصف بلسانه ، وأنه ليس من أهله . فإذا عرض له فرض في باطنه أو ظاهره سرا أو علانية نظر ، هل تسارع نفسه إلى القيام به حذرا من اللّه عز وجل من تضييعه ؟ وإذا عرض له ذنب مما يسخط منه ربه عز وجلّ نظر ، هل تسارع نفسه إلى تركه خوفا من اللّه عز وجل أن يحل به غضبه ، فإذا تفقد نفسه عند القيام بالفرض وترك الذنب ، فوجدها مضيّعة لفرض اللّه عزّ وجلّ غير خائفة ، وراكنة إلى الذنب غير فازعة منه ، علم أنه لو كان الخوف ساكنا قلبه قائما به حذرا من ربه عزّ وجل ، لاشتد هيجانه عند تضييع الفروض وركوب الذنوب ، إذ ادّعت نفسه أنها تخاف اللّه ، وأن ما يصف من الخوف هو ساكن فيها ، وإذا لهاج الخوف أعظم مما كان يجده عند وصفه له ، من غير أن يعرض فرض ولا ذنب ، إذ كان في ذلك غضب اللّه عزّ وجل وإيجاب النار عليه .
هامش
( 1 ) يعنى : فليختبر .