تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرعاية لحقوق الله — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
معرّضا نفسه لهلكتها ، مضيّعا لطلب رضا مولاه وتنجز ثوابه ؟ . وكذلك لو قال له مولاه : إذا عملت كذا وكذا محكما تاما أعطيتك ألف دينار ، وإن أفسدته لم أعطك شيئا وضربتك ألف سوط ، فترك إحكامه للذة شغلته ، وأفسده على عمد للذة آثرها ، لا ينالها إلا بفساد ذلك العمل ، فآثرها وهو يعلم أن العمل يفسد ؛ كراهة الشغل عنها بإحكام ذلك ، أو كراهة تحمّل مكروه ، من تعب على بدنه ، أو قلة في غذائه ، وهو مع ذلك طيب النفس ، يطيّبها ويرجّيها ألف دينار ، غير خائف لما توعد به من ضرب ألف سوط ، ألم يك مغرورا قد غرته نفسه ، فوضع الرجاء في غير موضعه ، وأزال الخوف الذي يبعثه على طاعة مولاه عن موضعه ، ولم يضع وعد مولاه وتوعّده كل واحد منهما في موضع ينتفع به . فكذلك المغتر باللّه عز وجل ، أقام على ما أوجب عليه حرمان جواره والحلول في عذابه ، طيب النفس راجيا للثواب ، غير خائف من العذاب ، أفليس هذا مغترا مخاطرا بنفسه ؟ وإن كان مولاه عظيم العفو قد يفعل ذلك له وقد لا يفعل ، ألم يك قد اغتر وخاطر بنفسه ، وغرته نفسه وخدعته ، لأن العقاب في الحكم عليه يقين لا شكّ فيه ، والرجا للمغفرة من غير توبة مع الإصرار شكّ لا يقين فيه . فهو تارك للوثيقة « 1 » ، مغرّر بنفس ليس لها خلف ، لا يأمن أن يبدو له من اللّه عز وجل غير ما يحتسب ؛ وذلك أن الذي وجب عليه لا يشك فيه ، كما وصف اللّه عز وجل المغترين ، فقال :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
« 2 » . قيل في بعض التفسير : أعمال كانوا يرون أنها خير فصارت شرّا ، فذلك
هامش
( 1 ) تارك للوثيقة : تارك للأمر الموثوق به المتيقن منه . ( 2 ) الزمر : 47 .
الرعاية لحقوق الله — صفحة 558 | الحارث المحاسبي / عبد الرحمن عبد الحميد البر