العقوبة ، فعقوبته على قدر عفوه ، فقال لعبده مع عظيم هذا الخطر : إن أنت أتيتني غدا يوم السبت رضيت عنك ، وأعطيتك من المال كذا وكذا ، وأعتقتك وزوجتك وأخدمتك ، وإن تأخرت إلى بعد غد ، يوم الأحد ، فأتيتنى يوم الأحد لم أعطك من ذلك شيئا . وغضبت عليك ، وعذبتك عذابا شديدا ، وسجنتك سجنا طويلا ، فعرضت للعبد لذة ، إن أصابها اشتغل عن مولاه أن يأتيه يوم السبت ، وتأخر الذهاب إلى يوم الأحد ، فاشتغل بلذته ورجّى نفسه عفو مولاه ورحمته ، ناسيا مع ذلك شدة عقوبته ، وإن ذكّرها ذكّرها بغير تعظيم ذكرا لا يمنعه عن الشغل يوم السبت وتأخير الذهاب إلى يوم الأحد ، لما غلب على قلبه ، من حلاوة لذته .
فآثر إصابة لذته على طاعة مولاه ، في إتيانه يوم السبت الذي وعده فيه بالرضاء والثواب ، فأخّر الذهاب إليه إلى يوم الأحد ، لئلّا تفوته لذّته ، وقد علم أنه قد توعّده إن أتاه يوم الأحد أن يغضب عليه ، ويحرمه ما وعده ، ويعاقبه بأشد العقوبة ، فتشاغل يوم السبت بلذّته ، وهو طيب النفس بما تذكره نفسه من الرجاء ، فقد قطعه ذكر الرجاء عن خوف العقوبة ، تاركا للذهاب في اليوم الذي وعده فيه الثواب ، ويرجو الثواب والعفو مع التأخير للذهاب في اليوم الذي توعّده فيه بالغضب والعقاب ، وهو ناس للعقوبة ، تارك للذهاب ، لينجز ما وعده من الثواب في يوم السبت ، متمن لعفوه ، يقول لنفسه : أذهب يوم الأحد ، فيعفو عنّى مولاي ويرضى ، ويعطيني ما وعدني من المال ، ويزوجني ويخدمنى . قد أنساه هذا الذي ترجّيه نفسه خوف مولاه وحذره ، ولم يترك لذته القاطعة له عن طاعة مولاه .
ألم يك هذا مغرّرا بنفسه ، مخاطرا ببدنه ، تاركا للوثيقة والاحتياط لنفسه ،
الرعاية لحقوق الله — صفحة 557
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٥٥٧