والغرّة خدعة من النفس والعدوّ بذكر الرجاء بالتوحيد ، أو بالآباء الصالحين ، أو بعمل قليل ضعيف ، فتطيب نفسه بتلك الخدعة حتى تهون عليه ذنوبه ، لظنّه أنها مغفورة ، فيتمنّى المغفرة ، فيقيم عليها ولا يتوب ، فهذا فرق ما بين الغرّة والرجاء .
وذلك موجود في فطر العباد في دنياهم : أنهم إذا ضيّعوا العمل عذلوا « 1 » أنفسهم وعدّوه منهم تفريطا ، فإن قعدوا عن الأعمال وهم يظنّون أنهم يعطون الأجر عدّوا ذلك من أنفسهم حمقا وغرّة .
قلت : فأين أضع الرجاء حتى لا يكون غرّة ؟ .
قال : إن اللّه عزّ وجلّ خوّف العاصين بغضبه وعقابه ، ليخوفوا أنفسهم بما خوفهم ، فيتوبوا إلى ربهم ، ورجى اللّه عز وجل التائبين من عباده على تركهم الذنوب ، لئلا يقنطوا فيقيموا على ذنوبهم ، ورجّى العاملين ليبعثهم الرجاء على الأعمال التي تقرّب إليه .
فعلى المؤمن باللّه عز وجل العاقل عنه أمره ، أن يضع الخوف حيث وضعه اللّه عزّ وجلّ ، فإذا همّ بمعصية خوّف نفسه ما خوّفه اللّه عز وجل ، به من عذابه ، فإن غلبه هواه فأتاه فأبت نفسه إلا المقام عليها ، خوّف نفسه بما خوّفه اللّه عز وجل ، من غضبه وعقابه ، ليدع المعصية ويتوب منها بعد ركوبها .
فإذا همّت نفسه بمعصية أو عصمت فأبت إلا المقام على العصيان ؛ عاتب نفسه وقال لها : إن اللّه شديد العقاب ، وإن غضبه لا دواء له ، وإن عذابه لا صبر عليه . فخوف نفسه بما خوفه اللّه ، حيث أمره أن يخوف نفسه ليقطع ويتوب .
هامش
( 1 ) العذل : الملامة .