أطاعوا اللّه عز وجل بذلك ، لأن الكبر على المطيع شر مقرر بعينه ، لا يلتبس إلا على الغافلين ، والكبر على العاصين يمازجه ويشوبه الغضب للّه والمجانبة له ، والاعتراف بالنعم التي فضل بها عليهم ، والتبس واشتبه لهذه الشائبة ، حتى خدع بها كثير من المتعبدين ، وظنوا أنهم بذلك مصيبون ، للّه عز وجل مطيعون .
وسأبين لك ذلك حتى تميز بينهما ، فتغضب وتمقت وتجانب للّه ، وتعرف ما فضّلت به من النعم ، وتزايل العجب والكبر بالعلم ، وما يمكن في النظر لمن عقل عن اللّه عز وجل أمره .
فإن ميّزت بينهما نجوت من الكبر والعجب ومقت اللّه عز وجل ، بالغضب له وعرفان نعمه ، وإذا لم تميز بينهما خدعتك نفسك وعدوك بالطاعة ، فألقتك في المعصية لما شابها من الطاعة .
شرح المسألة المتقدمة : اعلم أن الناس عندك فرقتان : فرقة مستورة لا تعرف منها سوءا ولا جرما ، فتلك الفرقة أفضل منك عندك ، إذ لم تتبيّن منها مكروها .
والفرقة الثانية مختلفون في ذلك ، فمنهم من هو عندك مهتوك « 1 » في ذنب أو ذنبين أو أكثر من ذلك . إلا أنه أقل مما تبيّن لك من نفسك من الذنوب في طول عمرك ، فهؤلاء أفضل منك عندك ، إذ كنت تعرف من نفسك أكثر مما تعرف منهم .
وفرقة قد ظهر لك منها من الذنوب أكبر وأعظم مما قد ظهر لك من نفسك .
فأما الكثرة فلا تقدر أن تحصيها من غيرك كما تحصيها من نفسك ، لأنك خال بنفسك في كل حال في عمرك كله ، ولا تقدر أن تصحب غيرك في
هامش
( 1 ) مهتوك : مفضوح غير مستور ، والاسم منه : الهتكة . بضم الهاء .