ومما يدلك على ذلك : أنه قد يكون من بعض الخلق أن العبد يدعى إلى حسب شريف ، كادعائه أنه من أهل بيت النبوة ، أو من قريش ، أو من العرب ، وهو عالم أن أصله غير ذلك ، فهو عند نفسه وضيع الأصل ، وهو يحبّ أن ينظر إليه الناس بعين التعظيم ، ويكره أن يعلموا بأصله وينظروا إليه بالازدراء ، وكذلك يظهر أنه غنى وهو فقير ، فذل الفقر في قلبه لمعرفته أنه لا غنى عنده ، وهو يحب أن ينظر إليه بالغنى ، ويكره أن يرى بالفقر ، وكذلك يوهم العباد أنه يحسن من العلم ما لا يعلمه ، ويكره أن يفطنوا بجهله فيزدروه ، ويحب أن ينظروا إليه برفعة العلم ، فهو عند نفسه دنى الحسب قليل المال جاهل ، وهو يوهم العباد أنه على غير ذلك ، لحبّ الحمد وكراهة الذّم .
وكذلك هذا الذي اعترض له الكبر مع الرياء ، قد ينفى الكبر ويستعمل الرياء ، فيدع ما هو أولى به وأقرب إلى ربه عز وجل ، ولعله أن يغلط فيرى أنه بنفيه الكبر قد نفى الرياء ، فيكون عند نفسه مخلصا متواضعا ، وهو عند ربه عز وجل مراء ، ولعل نفسه عند ذلك أن تخيّل إليه أن ذلك حياء منه ، وإنما تركه للحياء ، ولم يتركه للكبر ولا للرياء .
وكذلك قد ينفى الرياء فيعلم أن العباد لن يضرّه ذمّهم ، ولن ينفعه حمدهم ، فيكره ذلك ، وتأبى نفسه أن يفعل شيئا من ذلك ، كبرا في نفسه ، وأنه لا يصلح ذلك لمثله ، ولو رفعه الناس بذلك .
وقد رأينا من قد يتكبّر بالحسب مع الدين ، كمن هو من أهل بيت النبوة أو من قريش ، يرفع نفسه أن يصلى خلف العامة ، فيدع الجماعة أنفا وكبرا ، وقد علم أن العباد يذمّونه ، يعلم ذلك منهم ، ويبلغه عن بعضهم ، ويسمعه من بعضهم ، ونفسه تأبى إلا كبرا ، وأنه لا يصلح له في قدره أن يؤمه غيره ، فقد
الرعاية لحقوق الله — صفحة 526
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٥٢٦