ومن ذلك ما يروى : أن عبد اللّه بن سلام حمل حزمة من حطب ، فقيل له : يا أبا يوسف ، قد كان في غلمانك وبنيك ما يكفونك ، قال : أجل ولكني أردت أن أجرب نفسي هل تنكر ذلك ؟ « 1 » فلم يقنع منها بما أعطته من العزم على ترك الأنف حتى يجرّبها ، أتصدق في ذلك أم هي كاذبة .
وقد يعترض للعبد مع الكبر في مثل هذا كله الرياء ، فيجامع الكبر الرياء ، وهو ما أخبرتك في أول الجواب عن مسألتك : أن الكبر يعترض من الرياء ، فيعترض في ذلك الرياء مع الكبر ، أنفا أن يقولوا فقيرا أو وضيعا أو مسكينا ، فينظروا إليه بعين الازدراء ، من الفقر أو الكسب الدنىّ ، أو صحبة الرجل الدنىّ ، أو زيارته من القرابة وغيره ، أو أن يقبل الحق من غيره ، فيقال : فلان خطّأه أو علمه ، أو يقول من غلبه في نفسه : خطأته ، أو علّمته .
فإذا اعترض الرياء مع الكبر ، فليقارب بالفكر بين صغر القدر ، وما وجب عليه من العقاب ، وكراهية الرياء المحبطة لعمله في يوم فقره وفاقته ، إلى صافي الحسنات ، لينجو بها من عذاب ربّه عز وجل ، ويستحق بها ثوابه ورضوانه ، فيذكر صغر القدر وما وجب عليه من العذاب ، ويذكر مصيره إلى الموت والحساب .
وبالحكم بالجزاء ينفى الكبر ، وبالكراهة للرياء ينفى الرياء ، لأنه قد ينفى الكبر إذا عرض له الأنف من الأعمال التي تقربه إلى ربه عز وجل ، لضعة أسبابها ، فيتواضع ويعلم أن الكبر لا يليق به ، وتجزع نفسه - بعد معرفته بصغر قدرها - أن تذمّ ، وينظر إليها بالازدراء ، فهو في نفسه وضيع ، ولا يحب مع ذلك أن يكون عند الناس وضيعا .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 287 ( 833 ) .