باب التكبر بالعلم والعمل خاصة
قلت : قد تبيّنت بما وصفت من ذلك أنه ناف للكبر بالحسب والجمال والجسم والمال والكثرة والعمل والعلم ، إلا أنى أجد للعمل والعلم فتنا تعترض فيهما مع ذكر صغر القدر ، فقد تغلب على العالم والعامل حتى يتكبّر ، فما الذي يدفع به تلك العوارض التي تبعثه على الكبر ؟ .
قال : إن العلم والعمل لكذلك ، ومن ذلك ما يجده العباد من أنفسهم ، لأن فتنهما أعظم الفتن ، لأن قدرهما عند اللّه عزّ وجلّ وعند العباد أعظم من قدر الحسب والمال والجمال ، بل لا قدر للحسب ولا للجسم ولا للجمال ولا للمال عند اللّه عز وجل إلا أن يكون مع ذلك عمل وعلم ، وكذلك العباد العامل والعالم في صدورهم أكبر قدرا من كل حسب ومن كل مال وجمال ، فعظمت فتنهما إذ عظم قدرهما عند اللّه عز وجل وعند العباد .
ألا ترى إلى قول حذيفة رضى اللّه عنه : « اتقوا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون » « 1 » .
فبعظم قدر العلم والعمل عند العباد افتتن الجاهل ، حتى لقد اتبع العالم في زلته والعابد في خطئه .
هامش
( 1 ) روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص 272 عن ابن المبارك قال : كان يقال . . . فذكره . قال ابن عبد البر : « ومن حديث ابن وهب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « هلاك أمتي عالم فاجر ، وعابد جاهل ، وشر الشر أشرار العلماء ، وخير الخير خيار العلماء » .