وأصل ابن آدم من التراب الذي يوطأ بالأقدام ، وحمأ مسنونا قد أسن فأنتن .
ثم صار بعد الأصل من نطفة قذرة ، ومنها فصله ، وإذا عيّر الرّجل الرّجل ، وأراد أن يصغر بقدره قال : لا أصل لك ولا فصل ، والأصل عند العرب :
الجد ، والفصل : الأب ، فكان أصله التراب وفصله النطفة ، لأن جده هو التراب ، وأبوه هو النطفة ، وهو بعد أبيه من نطفة ، فالأصل يوطأ بالأقدام ، والنطفة تغسل منها الأجساد والثياب ، فخلق من دناءة وضعف وأقذار .
ألم تسمع إلى قول اللّه عز وجل :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
« 1 » .
وقال عز وجل :
مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
« 2 » .
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه عز وجل : أيعجزنى ابن آدم ؟ وإنما خلقتك من مثل هذه » ، وبزق النبي صلّى اللّه عليه وسلم في كفه « 3 » . فخلق الإنسان من أقذار ، وسكن في أقذار ، وخرج من أقذار ، لأنه خرج من صلب ، ثم من ذكر من مجرى البول إلى الرحم ، ثم خرج منه من مجرى القذر ؛ كما قال أنس بن مالك : كان أبو بكر رحمة اللّه عليه يخطبنا ، فيقول في خطبته : « خرج أحدكم من مجرى البول مرتين » حتى يقذر إلى أحدنا نفسه « 4 » .
فأول ابن آدم من تراب ، ثم من نطفة موات ، ثم من علقة موات ، ثم من
هامش
( 1 ) عبس : 17 - 19 .
( 2 ) السجدة : 8 .
( 3 ) الحديث عن بسر بن جحاش القرشي ، أخرجه ابن ماجة في الوصايا 2 / 903 ( 2707 ) ، وأحمد 4 / 210 ، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجة 2 / 365 ( 960 ) « إسناد حديث بسر صحيح رجاله ثقات » .
( 4 ) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13 / 261 ( 16283 ) وابن أبي الدنيا في « التواضع والخمول » ص 199 ( 200 ) .