تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرعاية لحقوق الله — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
وبصيرا بعد العمى ، وقويّا بعد الضعف ، وغنيّا بعد الفقر ، ومهتديا بعد الضلالة . فالأحوال الأولى ابتدأه بها يعرّفه بها نفسه ، ليشهد عليها بالذلة ، والضعف والقلة والحاجة والمسكنة ، ليعرف بذلك صغر قدره ، ولتردعه معرفة ذلك عن الكبر والفخر والبطر والخيلاء والعجب بنفسه . فما بدأه من صغر القدر ، وضعة المنازل ، عليه فيها من اللّه عز وجل نعمة سابغة ، إذ عرف بها نفسه ، فردعه ذلك أن يجوز « 1 » قدرها ، وحجزه - إن عقل - عن الكبر والفخر والبطر . والنعمة الثانية عليه من اللّه عزّ وجلّ سابغة ؛ إذ عرف بها ربّه ، الذي نقله من الأحوال الدنية المذمومة ، إلى الأحوال الرفيعة . فكلا النعمتين سابغة من اللّه عزّ وجلّ : بالأولى عرف نفسه ، وبالثانية عرف ربه عز وجل ، فبالأولى يصغر قدر نفسه عنده ، وبالثانية يعظم قدر ربه عنده ، فيخضع ويذل لمولاه شكرا ، إذ رفع خسيسته بعد الضّعة وصغر القدر والمهانة . فمن كان بدوه هذا البدو ، وأحواله هذه الأحوال ، فإنه عن الكبر بمعزل ، كما قال لقمان لابنه : يا بنى ما للترابى « 2 » وللكبر ؟ ! وصدق رحمه اللّه . من كان أصله مما يداس بالأقدام - ومع ذلك إنه خمّر طينته حتى صارت حمأ مسنونا - كيف يتكبر وأصله دنى وضيع عند الخلق ؟ لأنه إذا أراد أن يصغر بقدر غيره ، قال : لأنت أهون علىّ من التراب الذي أطؤه بقدمى ، ولأنت أنتن من الحمأة .
هامش
( 1 ) يجوز بمعنى : يتعدى ويتجاوز . ( 2 ) نسبة إلى التراب الذي هو أصل الإنسان .