باب نفي الكبر وتعريف العبد قدره
قلت : فبم ينفى العبد الكبر ؟
قال : بمعرفته بقدره في الدين والدنيا .
قلت : فبم يعرف قدره ؟
قال : يعرف قدره بمعرفته ببدايته وحياته وعاقبته .
أما بدايته : فقد مضت الدهور ولم يكن فيها شيئا مذكورا ، وأوجده اللّه عز وجل بعد العدم إذ لم يكن شيئا مذكورا ، فأوجده اللّه عزّ وجلّ ميتا وبدأه بموته قبل حياته ، لأنه خلقه من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم جعله عظما ، ثم كسا العظام لحما ، فبدأه بموته قبل حياته ، وبضعفه قبل قوته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبجوعه قبل شبعه ، وبعريه قبل ستره ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه .
ثم أحياه بعد ما كان ميتا ، وأسمعه بعد ما كان أصم ، وبصّره بعد ما كان لا بصر له ، وقواه بعد أن كان ضعيفا ، وعلّمه بعد أن كان جاهلا ، وأغناه بعد أن كان فقيرا ، وأشبعه بعد أن كان جائعا ، وكساه بعد أن كان عاريا ، وهداه بعد أن كان ضالّا .
فابتدأه بهذه الأحوال الدنيا ، ثم نقله إلى هذه الأحوال الرفيعة ، فصار موجودا بعد العدم ، وحيّا بعد الموت ، وناطقا بعد الخرس ، وسميعا بعد الصمم ،