والحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « افتخر رجلان عند موسى عليه السلام ؛ قال أحدهما : أنا فلان بن فلان حتى عدّ عشرة معه ، فمن أنت ؟ فأوحى اللّه عز وجل إلى موسى عليه السلام : قل للذي افتخر بآبائه : تسعة من أهل النار أنت عاشرهم في النار » « 1 » .
وإن كان من آبائه من له صلاح ودين فهو على ما وصفت لك .
قلت : فإن كان آباؤه ليس لهم أصل في العرب ، ولا سابقة في الصلاح والطاعة ، إلا أن لهم الشرف في الملك والسطوة المتقدمة ، ما العجب بذلك ؟
قال : استعظام القدر ، ونسيان ما صار إليه آباؤه من العذاب ، وأن ما كانوا فيه عار عليهم عند أهل العقل ، وشين عند اللّه عز وجلّ ، ويرى أن له الفضل على غيره ، ويحتقره ويتكبر عليه ، وينسى عاقبة ما كانوا فيه ، ويضيّع الشكر إذ أخرجه اللّه عزّ وجلّ منهم ، وخصّه بالإسلام والمنّة ، وأبدله بشرفهم شرف الإسلام ، وجعل دينه الإيمان فيتكبر ويفتخر ، ويحقر من دونه في الحسب ، حتى يرى أنه خير ممّن تقدمت له السبقة في الصلاح ، وربما أورثه ذلك غشّا للإسلام ، وعداوة للدين ولهم ؛ لأنهم هزموا آباءه وغلبوهم ، وورثوا أرضهم وديارهم بالحق ونصرة الدين « 2 » .
هامش
( 1 ) الحديث عن أبي بن كعب ، أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائده في المسند 5 / 128 ، وقال الهيثمي في المجمع 8 / 85 : « رجاله رجال الصحيح ، غير يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، وهو ثقة » ، وصححه العراقي في تخريج الإحياء ص 1960 . وعزا الهيثمي مثله لأحمد والطبراني عن معاذ .
( 2 ) وفي حديث ابن عباس : « لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية ، فوالذي نفسي بيده لما يدهده الجعل بمنخريه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية » . أخرجه أحمد 1 / 301 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 85 : « رجاله رجال الصحيح » .