قلت : فالعجب بالعقل والذهن والفطنة ؟ .
قال : استحسان ذلك واستعظامه ، ونسيان النعمة بالتفضّل به ، والاتكال عليه أن يدرك به ما يريد وما يؤمّل : من علم أو رأى ، أو أحكام دين اللّه عز وجل ، أو دنيا ، وترك التوكل على اللّه عزّ وجلّ في جميع ذلك ، حتى يخرجه ذلك إلى قلّة التثبت لإعجابه بعقله ، حتى يخطئ في دين اللّه عزّ وجلّ ، ويقول عليه بغير الحق ، ويخرجه أيضا إلى ترك التفهّم ممن علمه أو أمره أو ناظره ، حتى يحرم الفهم للحقّ ، ويأبى إلا القول بالخطأ والغلط ، ويخرجه إلى حقرية من دونه ، ممّن لم يعط من الفطنة مثل ما أعطى ، وإن كان أورع منه وأفضل عملا ، حتى يسمّى كثيرا ممّن هو أورع منه وأفضل منه جهالا حمقى ، ويراهم كالحمير التي لا تعقل ، إذ فضّل عليهم بالفطنة والذهن ويستطيل عليهم ، ويرى أن لا قدر لهم ويستصغر ما عملوا من خير ، ويرى أنه خير منهم ، وإن ضيّع العمل ، لفطنته ولعقله .
قلت : فبم ينفى ذلك ؟
قال : بمعرفته بجهله مهما أعطى من الفطنة ، وبسهوه وغفلته وقلة ما يدرى بعقله ، وإن كان قد أعطى من الفطنة أكثر مما أعطى غيره ، فقد وجب عليه في ذلك الشكر ، وإنما فضّل بالذهن لتعظم الحجّة عليه ، وتوكيد الطاعة باللزوم لها ، ولينظر اللّه عزّ وجلّ كيف استعماله لعقله في الفهم عنه والاشتغال به .
وإن ما أعطى من العقل بيد اللّه عزّ وجلّ ، لو شاء أن يغيره ويزيله ببعض الآفات ، كما رآه فعل ذلك بمن هو مثله ومن هو فوقه لفعل ، فلا يأمن من أن يسلبه اللّه عز وجلّ عقله .
فإذا عرف ضعفه وجهله وقلّة ما يدرك بعقله ، وأنّ ما فضّل به منّة منه ، عليه فيه الشكر وعظيم الحجّة ووجوب الحق ، وأنه لذلك مضيّع ، فإذا عرف
الرعاية لحقوق الله — صفحة 449
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٤٤٩