تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرعاية لحقوق الله — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
أو لو صنع لك سما في طعامك ليقتلك به ، فأراك الآخر بالتجربة على بعض البهائم ما أراد أن يقتلك به من السمّ حتى عرفت أنك لو أكلت ما هيّأ لك من الطعام كان في ذلك عطبك « 1 » ؛ من قتله بذلك السمّ للبهيمة التي جرّب عليها . ألم تكن تزداد له مقتا وبغضا ، وللذي أنقذك من مكيدته حبا ومودة وأنسا ومنّة ؟ وللذي أراد بك السوء حذرا ؟ وللذي حال بينك وبين ذلك ثقة وطمأنينة ؟ رجاء أن ينقذك من أمثال ذلك ، وخوفا من الآخر أن يغتالك بمثل ذلك . فإن ادعى المريد لك بالسوء أنه هو الذي أنقذك منه ، هل كنت ناسيا للذي أنقذك ؟ ومضيفا نجاتك إلى الذي أراد بك المكيدة بالسوء ؟ كلا ما كنت فاعلا أبدا ذلك ما صح لك عقلك . فكم من بلية قد أرادتها بك نفسك فعزم اللّه عزّ وجلّ لك على تركها ، وأيقظك وأزال عنك غفلتك فعصمك منها ، وقد كان فيها عطبك بالنار أعظم من الميتة بالحجر والسمّ ! وكم من حقّ للّه عز وجل قد هممت بتضييعه ، فأبى اللّه عز وجل إلا أن وفقك لخلاف ما هممت به ، فقد وجب عليك المقت لنفسك والحذر منها ، وترك إضافة العمل إليها بالحمد لها ، والحب لربك عز وجل ، والطمأنينة إليه ، والثقة به ، والحمد له خالصا وحده ، والشكر له على منّته بكل ما نلت من برّ وطاعة . قلت : قد تبين لي بوصفك هذا - وقد كان عندي في الجملة هكذا - أن نفسي لو تركها ربّى عز وجل لأهلكتنى ، وأن الذي تولّى ذلك له المنّة علىّ بذلك ، حتى نلت ما نلت من برّ وطاعة ، هو وحده لا شريك له .
هامش
( 1 ) العطب : الهلاك .
الرعاية لحقوق الله — صفحة 438 | الحارث المحاسبي / عبد الرحمن عبد الحميد البر