الغم ، إذ زال عن السلامة إلى العطب .
فبينما هو يسكت عن كلمة من محادثتهم ، فتكاد تضيق عليه الأرض برحبها ، إذ صار ذلك إذا تكلم بالكلمة التي كان يغتم بالسكوت عنها . وهذا ميراث الورع ، وعادة التقى ومعونة اللّه عز وجل ، ونصره للمريدين ، إذا كابدوا له أنفسهم ، وجاهدوا له شهواتهم وأهواءهم .
قلت : إنك إذا عزمت على ترك مؤانستهم ، لم أعر من لقائهم ، لمعاش في سوق ، أو اجتماع في حلقة علم ، أو جماعة في مسجد جامع ، أو غيره ، أو جنازة ، أو حاجة تعرض لأحدهم إلىّ ، أو تعرض لي إليه ، أو يأتيني زائرا ، أو أطمع في أن يقبل منى ، فيقطع من يصحب ، ويعزم على مثل ما عزمت عليه .
قال : إنك إذا عزمت على ترك مؤانسته ، وتفردت بنفسك عنه ، ثم لقيك فرآك نافرا منه ، مشمئزا من حديثه ؛ استحيى ، وتحرّز أن يؤنسك بما لا تحب ، وزال عن قلبك السهو والغفلة به إذا ألزمت قلبك حذره ، فإذا عرف ذلك منك أمسك نفسه عنك ، فإذا لقيته بغير هوى وشهوة محادثته ، وإنما تلقاه لبعض هذه الأسباب أو لما يشبهها ، ثم ألزمت الحذر قلبك منه ، لعلمك أن العدو يصطادك به ، وإن تكلم بشر أو بفضول قلت لنفسك : ما أعرفنى بمن دسّه علىّ ليزيلنى عن طاعة اللّه عز وجل ، فاتخذته عبرة ، فإن كان ممن يحتمل العظة نهيته في رفق ، ونبهته لما يقول ، فلعلك أيضا تنفعه .
فإن كان ممن لا يحتمل ذلك ، أو هو ممن يجادلك إذا نهيته ، حتى يخرجك إلى نقص في دينك ؛ كرهت ما قال ، وتحرزت إلا أن يقول محرما ، فتنهاه برفق ، ولا تجادله إذا أراد ذلك منك ، إلا أن يكون مريدا لطلب البيان فتبين له إن كنت تحسن ذلك ، وإلا فاسكت عنه . فإن أخذ في الخوض ، ولم
الرعاية لحقوق الله — صفحة 391
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٩١