بلقائهم في دينه أبغض لقاءهم ، إلا لقاء الذين يريدونه في دينه ورعا وتحرزا ، فأولئك الإخوان في اللّه عز وجل ، والاسم بالأخوة لهم حق وصدق ، والاسم لغيرهم كذب وزور .
قلت : أرأيت إن عزمت على ترك كل من لا أسلم معه في ديني ، فلم تصبر نفسي وجاشت على لقائه ؟
قال : إن سخت نفسك بتركه ، ثم تحرّزت ممن لا تأمن منه ، وتوفّيت حتى يأتي عليك بعض النهار وأنت صامت عما كره ربك عز وجل ، قد فرح قلبك بالسلامة ، ازددت زهدا في لقائه ، ولم يكن شئ أبغض إليك من لقائه ورؤيته ، إذا وجدت حلاوة السلامة ورجوت رضا اللّه عز وجل بها عنك ، فإذا أحسست بمن تخاف أن يزيلك عنها ثقل عليك لقاؤه ، فإن استعملت التحرز إذا انفردت من الأصحاب حتى تظفر بالسلامة ، ويجد قلبك حلاوتها ؛ أبغضت لقاء من يزيلك عنها ؛ لأن المريد الساهي راحته في الكلام ، وغمّه في السكوت ، وذلك إذا كان الأغلب على قلبه حبّ راحة المحادثة للناس ، ولم يكن طلب السلامة أغلب على قلبه ، فغمّه حينئذ في السكوت ، ولذته وراحته في الكلام .
فإذا اهتم بالسلامة ، وغلب على قلبه ، طلبتها والاهتمام بها ، ثم عمل فيها بعض نهاره حتى يسلم ؛ ثقل عليه الحديث مع الأصحاب والإخوان ، إذا عرف أن في محادثتهم زواله عما قد منّ اللّه عز وجل عليه به من السلامة .
فإن رأى بعضهم ، فأفلتت منه كلمة مما يكره اللّه عز وجل ؛ ضاقت عليه الأرض برحبها ؛ إذ كان قبل أن يلقاهم سليم القلب والبدن ، يرجو رضا اللّه عز وجل مما صمت عنه مما يكره اللّه عزّ وجلّ ، خوفا منه ، ثم تكلم بما يخاف أن يكون قد سخط اللّه عز وجل منه عليه ، فتضيق عليه الأرض ، ويلزم قلبه
الرعاية لحقوق الله — صفحة 390
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٩٠