قال : إن شغله لحبّ الحمد ، وطلبه لتسكين الشّغل عن قلبه ؛ محبّة الثناء والتعظيم على طاعة ربه عزّ وجل ، فقد تعجّل ثواب ذلك . وإن كراهته لشغل قلبه بالذم ومحبّته أن يزول الشغل عن قلبه طلب السلامة ؛ لا أنه معتقد للشغل يحبّ حمدهم ، ولكن كراهة أن يجاهد طبعه ، فلعله أن يغلبه في حال غفلته ، فكلما دفع ذلك عنه أن يمتحن به عدها نعمة من ربه عزّ وجل .
قلت : فالحمد ، أيضا ، يحبه جملة لغير طاعة ، لئلا تعارضه محنة ذم على طاعة يجاهد عنها طبعه ، فيشغله ذلك ، ولعله أن يزول .
قال : إن في وقوع الذم نفار الطبع ، وليس في دفع الحمد إذا لم يعقبه ذمّ نفار الطبع ، إلا جزعا لحب المنزلة ، وطلب الحمد منه لا يكون من قلبه إلا رجاء أن يحمدوه على خير وطاعة ، فإذا دعت النفس الحمد على جملة فقد علم أنهم لا يحمدونه إلا على خير وبرّ .
قلت : وكيف جوّزت حبّ الحمد بعد العمل للستر عليه ؟
قال : لم أجوّزّ لهم إلا سروره بنعمة الستر بعد ما مضى العمل خالصا ، وبين الحمد والذم منزلة .
قلت : وما هي ؟
قال : أن تخلو قلوبهم من حمدهم على طاعة اللّه عز وجل ومن الذم ، كقلب من لا يعرفه ولا يذمه ولا يحمده ، وكقلب من يعرفه فينسى إحسانه ، فلا يحمده ولا يذمه ، أو يذكر إحسانه ذلك ولا يتفرغ قلبه لحمد ولا ذم .
فهو لا يحب أن يذموه ؛ كراهة الشغل ، ويحب ألا يحمد على طاعة ؛ لكراهية الرياء والزهد في المنزلة ، ويحبّ أن يخلو من ذلك جميعا ، فلا يكون منهم
الرعاية لحقوق الله — صفحة 349
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٤٩