ومثل ذلك : كمثل رجل أتى رجلين فسأل أحدهما قرضا أو صلة ، فكان أحدهما ليس في قلبه حياء ، فردّه ، إذ لم تسخ نفسه بالإعطاء ، والآخر سئل ما لا تسخو به نفسه ، فيمنعه الحياء من البخل من أن يرده ، فأمسك عن إظهار الردّ ، وبادر ليفعل ؛ فوجد إبليس والنفس موضع دعاء ، فقال : أعطه ؛ لئلا يقول : ما أبخله إن لم تعطه ! أو أعطه ؛ ليثني عليك به ويعظمك به ، أو أعطه ؛ ليكافئك عليه . وهذا أيسرها ، فاعتقد ذلك ، وأعطاه ، ولا يشك أنه أعطى للحياء عند نفسه لبدو هيجان الحياء من طبعه .
ويسأل آخر ما لا تسخو به نفسه ، فلم يقو أن يرده لما هاج في قلبه من الحياء ، فخطر خاطر الرياء فنفاه ، وقال : لا ، بل للّه عز وجلّ ، أو لما رأى نفسه تمتنع من الرد من أجل الحياء ذكر في ذلك الوقت ثواب اللّه عز وجلّ ، فأراده ، ولولا الحياء لردّ صاحبه ، ولما أمسك حتى ينوي الإعطاء للّه عز وجلّ .
ولو أنه أخلص بالإعطاء شكرا لمن جعل غريزته تهيج بالحياء ، أو لمن وهب له الحياء ، ولم يجعله كمن لا يستحي دون طلب الثواب ، لكان اللّه عز وجلّ يستحق ذلك فكيف بطلبه الثواب ؟ !
وآخر يسأل أشياء ، فهاج من الحياء ما لا يملكه ، فأعطاه العزم عليه ولم يقبل خطرة رياء ، ولم يذكر ثوابا ، وما أقلّ ذلك : أن يعطي عبد ، أو يعمل ، أو يترك إلا لرغبة أو رهبة ، فإن أعطاه على ذلك الحياء أو أمسك عما لا ينبغي أعطاه مع الحياء ، فهو خير عن خلق كريم ، ما لم يعتقد الرياء .
ومن جمع مع الحياء إرادة اللّه عز وجل ، وثوابه ، فذلك أفضل ؛ لأن الحياء غريزة كريمة ، لا يعطاه كل أحد ، ولا ينزع الحياء إلا من قلب شقي ومن ذلك ما يروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أن رجلا من أهل اليمن أراد أن يشرب سويقا
الرعاية لحقوق الله — صفحة 344
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٤٤