تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوهابية في الميزان — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
ليوسف - عليه السَّلام - ولم يخطر ببال أحدٍ بأنّ هذا السجود كان عبادة لآدم أو ليوسف ، والسبب في ذلك هو أنّ الذين سجدوا لآدم وليوسف لم يعتقدوا لهما بالألوهيّة والربوبيّة ، ولم يعتبروهما مصدراً لأفعال اللَّه تعالى ، بل كان ذلك من باب التعظيم والتكريم لا العبادة ، كما هو واضح . إنّ الوهّابيّين عندما يواجهون هذه الآيات القرآنية لا يُقرّون ولا يخضعون لها ، بل تراهم يبحثون - هنا وهناك - عن تبرير وذريعة لها ، فيقولون : إنّ سجود أُولئك لا يُعتبر عبادة ، لأنّه كان بأمر اللَّه تعالى . والجواب : صحيح أنّ كلّ ذلك - حتّى سجود إخوة يوسف - كان بأمر اللَّه أو رضاه ، ولكن الشيء الّذي يتغافل عنه الوهّابيّون ويتجاهلونه هو أنّ حقيقة العمل أيضاً لم تكن عبادة ، ولهذا أمر اللَّه به ، ولو كان سجودهم عبادة للمسجود له لما أمر اللَّه بذلك أبداً ، لأنّ الأمر لا يُخرج العبادة عن حقيقتها ولا يجعل الشرك توحيداً . قال تعالى :
« . . . قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
. « 1 » والخلاصة : أنّ حقيقة العمل يجب أن تكون غير عباديّة قبل صدور الأمر بها من اللَّه تعالى ، حتّى يتعلّق الأمر بها ، ولا يُتصوّر - بأيّ وجه - أن يكون العمل عبادة فيتعلّق الأمر فيخرج عن العباديّة . إنّ هذا التبرير الّذي يلجأ إليه الوهّابيّون - والّذي طالما سمعناه من مشايخهم في مكّة والمدينة - إنّما يدلّ على الجمود الّذي يعيشونه تجاه المعارف القرآنية ، وعدم معرفتهم بأنّ العبادة لها حقيقة مستقلّة ، يطرأ عليها الأمر تارةً ، والنهي تارةً أُخرى ، أي أنّ الشيء - بذاته - عبادة ، فيأمر اللَّه تعالى به أو ينهى عنه ،
هامش
( 1 ) الأعراف : 28 .