تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوهابية في الميزان — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
وإذن منه سبحانه ، فهذا الاستشفاع والاستشفاء لا يلازم الاعتقاد بالألوهيّة والربوبيّة ، ولا هو طلبُ فعل اللَّه من غير اللَّه . يقول القرآن الكريم عن لسان النبيّ عيسى - عليه السَّلام - :
« . . . وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ . . . »
. « 1 » ونفس هذا التوضيح يأتي بالنسبة إلى طلب قضاء الحاجة من أحد أولياء اللَّه أو الاستعانة به ، فطلب قضاء الحاجة له صورتان : 1 . الطلب من العبد - مع الاعتقاد بقدرته المستقلّة - فهذا عبادة . 2 . الطلب من العبد - مع الاعتقاد بعبوديّته للَّه واستمداده منه سبحانه - فهذا لا يرتبط بالعبادة أبداً . إنّ هذا التوضيح ليس فقط الحدّ الفاصل بين العبادة وغيرها ، بالنسبة إلى هذه الأفعال ، بل هو قاعدة عامّة تفصل بين التوحيد والشرك في كلّ المؤثّرات والأسباب . إنّ الاعتقاد بتأثير « الاسپرين » - مثلًا - في تسكين الآلام ، إذا كان نابعاً من قدرته المستقلة في ذلك ، وأنّه لا يرتبط بقدرة أعلى - وهي اللَّه تعالى - فهذا معناه الاعتقاد بألوهيّته ، أمّا الاعتقاد بأنّ اللَّه تعالى هو الّذي جعل هذا الأثر في الاسپرين ، وأنّ هذا الدواء ليس إلّا سبباً لتسكين الآلام ، وأنّه لا يُسكّن الألم إلّا بإذن اللَّه ، فإنّ هذا الاعتقاد نابع من التوحيد ذاته ، لأنّه « لا مؤثّر في الوجود إلّا هو » . ولهذا قلنا : إنّ حسم الخلافات يتوقّف على تحديد معنى « العبادة » وفرز التوحيد من الشرك ، وأفعال اللَّه من غيرها ، والألوهيّة من العبوديّة . وقد سبقت الإشارة إلى أنّ عرب الجاهليّة كانوا يعتقدون ذلك الاعتقاد الخاطئ ، بأنّ الأصنام هي الّتي تدير بعض شؤون الكون إدارة مستقلّة وتملك
هامش
( 1 ) آل عمران : 49 .