تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وعليه يتوكلون فهو عائد إلى اللّه لا إلى العصا التي نبت من بيت النبوة ، وقد جمع اللّه سبحانه بين هذين الأصلين في قوله :
قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا
[ الملك : 29 ] ، وقال موسى لقومه :
يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
وهو كثير في القرآن ، وقد أخبر أنه أيده بروح العلم وخوف اللّه ، فجمع بين العلم والخشية وهما الأصلان اللذان جمع القرآن بينهما في قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ، وفي قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، : « أنا أعلمكم باللّه وأشدكم له خشية » وهذا شأن العبد المحض . وأما الإله الحق ورب العالمين فلا يلحقه خوف ولا خشية ولا يعبد غيره ، والمسيح كان قائما بأوراد العبادات للّه أتم القيام ! ! وإن أوجبتم له الإلهية بقول شعيا : « إن غلاما ولد لنا وأننا أعطيناه كذا وكذا ، ورئاسته على عاتقيه وبين منكبيه ، ويدعى اسمه ملكا عظيما عجيبا إلها قويا مسلطا رئيسا ، قوي السلامة في كل الدهور وسلطانه كامل ليس له فناء » ، قيل لكم ليس في هذه البشارة ما يدل على أن المراد بها المسيح بوجه من الوجوه ، ولو كان المراد بها المسيح لم يدل على مطلوبهم . أما « المقام الأول » فدلالتها على محمد بن عبد اللّه اظهر من دلالتها على المسيح ، فإنه هو الذي رئاسته على عاتقيه وبين منكبيه من جهتين ، من جهة أن خاتم النبوة علا نغض كتفيه ، وهو من أعلام النبوة التي أخبرت به الأنبياء ، وعلامة ختم ديوانهم ، ولذلك كان في ظهوره ومن جهة أنه بعث بالسيف الذي يتقلد به على عاتقه ويرفعه إذا ضرب به على عاتقه ، ويدل عليه قوله : « رئيس مسلط قوي السلامة » وهذه صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم المؤيد المنصور رئيس السلامة ، فإن دينه الإسلام ، ومن اتبعه سلم من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة ومن استيلاء عدوه عليه ، والمسيح لم يسلط على أعدائه كما سلط محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بل كان أعداؤه مسلطين عليه قاهرين له حتى عملوا به ما عملوا عند المثلثة عباد الصليب . فأين مطابقة هذه الصفات للمسيح بوجه من الوجوه ؟ ! وهي مطابقة لمحمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من كل وجه ، وهو الذي سلطانه كامل ليس له فناء إلى آخر الدهور . فإن قيل : إنكم لا تدعون محمدا إلها بل هو عندكم عبد محض ؟ قيل نعم واللّه أنه لكذلك عبد محض
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 185 | ابن قيم الجوزية