تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ما لم يكن قبل ذلك . « وجماع الأمر » أن النبوات المتقدمة والكتب الإلهية لم تنطق بحرف واحد يقتضي أن يكون ابن البشر إلها تاما : إله حق من إله حق ، وأنه غير مصنوع ولا مربوب ، بل لم يخصه إلا بما خص به أخوه وأولى الناس به محمد بن عبد اللّه في قوله : « إنه عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه » وكتب الأنبياء المتقدمة وسائر النبوات موافقة لما أخبر به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك كله يصدق بعضه بعضا ، وجميع ما تستدل به المثلثة عباد الصليب على إلهية المسيح من ألفاظ وكلمات في الكتب فإنها مشتركة بين المسيح وغيره كتسميته أبا وكلمة وروح حق وإلها ، وكذلك ما أطلق من حلول روح القدس فيه وظهور الرب فيه أو في مكانه .

[ وباء حلولهم أصاب بعض مبتدعة الصوفية وعباد الجهمية ]

وقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام ، واشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه فظنوا أن ذلك نفس ذات الرب ، وقد قال تعالى :
الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ النمل : 60 ] ، وقال :
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ الروم : 27 ] ، وهو ما في قلوب ملائكته وأنبيائه وعباده المؤمنين من الإيمان به ومعرفته ومحبته وإجلاله وتعظيمه ، وهو نظير قوله :
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا
[ البقرة : 137 ] ، وقوله :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ
[ الأنعام : 3 ] ، وقوله :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ
[ الزخرف : 84 ] ، فأولياء اللّه يعرفونه ويحبونه ويجلونه ، ويقال : هو في قلوبهم . والمراد محبته ومعرفته والمثل الأعلى في قلوبهم لا نفس ذاته وهذا أمر يعتاده الناس في مخاطباتهم ومحاوراتهم يقول الإنسان لغيره : أنت في قلبي ولا زلت في عيني كما قال القائل :
ومن عجب أني أحن إليهم * وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 182 | ابن قيم الجوزية