تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
فيكون الرب عليها شاهدا ، ويخرج من موضعه ، وينزل ، ويطأ على مشارق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب » . . قيل لكم هذا السفر يحتج أولا إلى أن يثبت أن الذي تكلم به نبي ، وأن هذا لفظه ، وأن الترجمة مطابقة له وليس ذلك بمعلوم . وبعد ذلك فالقول في هذا الكلام كالقول في نظائره مما ذكرتموه وما لم تذكروه ، وليس في هذا الكلام ما يدل على أن المسيح خالق السماوات والأرض ، وأنه إله حق غير مصنوع ولا مخلوق ، فإن قوله : « أن اللّه سيسكن مع الناس في الأرض » هو مثل كونه معهم ، وإذا صار في الأرض نوره وهداه ودينه ونبيه كانت هذه سكناه لا أنه بذاته المقدسة نزل عن عرشه وسكن مع أهل الأرض ، ولو قدر تقدير المحالات أن ذلك واقع لم يلزم أن يكون هو المسيح ، فقد سكن الرسل والأنبياء قبله وبعده ، فما الموجب لأن يكون المسيح هو الإله دون إخوانه من المرسلين ؟ ! أترى ذلك للقوة والسلطان الذي كان له وهو في الأرض ، وقد قلتم أنه قبض عليه وفعل به ما فعل من غاية الإهانة والإذلال والقهر ، فهذا ثمرة سكناه في الأرض مع خلقه فإن قلتم سكنه وفي الأرض هو ظهوره في ناسوت المسيح . قيل لكم أما الظهور الممكن المعقول وهو ظهور محبته ومعرفته ودينه كلامه فهذا لا فرق فيه بين ناسوت المسيح وناسوت سائر الأنبياء والمرسلين ، وليس في اللفظ على هذا التقدير ما يدل على اختصاصه بناسوت المسيح ، وأما الظهور المستحيل الذي تأباه العقول والفطر والشرائع وجميع النبوات وهو ظهور ذات الرب في ناسوت مخلوق من مخلوقاته واتحاده به ، وامتزاجه واختلاطه فهذا محال عقلا وشرعا ، فلا يمكن أن تنطق به نبوة أصلا ، بل جميع النبوات من أولها إلى آخرها متفقة على أصول .

[ المثلثة خالفت أصول الأنبياء في تقديس اللّه ووصفه بصفات الكمال ]

( أحدها ) أن اللّه سبحانه وتعالى قديم واحد لا شريك له في ملكه ولا ند ولا ضد ولا وزير ولا مشير ولا ظهير ولا شافع إلا من بعد إذنه . « الثاني » أنه لا والد له ولا ولد ولا كفؤ ولا نسيب بوجه من الوجوه ولا زوجة . « الثالث » أنه غني بذاته فلا يأكل ولا يشرب ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خلقه بوجه من الوجوه . « الرابع » أنه لا يتغير ولا تعرض له الآفات من الهرم والمرض والسّنة
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 188 | ابن قيم الجوزية