بان بها أنّ الهدى نوعان * فعامّ وذاك بالبيان
وقبل أن بيّن للعباد * ليس من الإضلال والإبعاد
وخاصّ ومنعه الإضلال * يعنى به الخذلان والإيكال
تعرّضت لبيانها بالتفصيل . بان بها ؛ اى بالآيات أنّ الهدى نوعان :
[ الهدى نوعان : عام وخاص ]
فعام ؛ اى منه ما هو عامّ ، وذاك بالبيان وما يستلزمه من بعث الرسل وانزال الكتب . وهذا النّوع حيث يكون عامّا ، وقد تعلّقت المشيّة به على وجه العموم من غير تخصيص لم يبق لمشيّة الاضلال موردا ؛ كما قلت :
وقبل أن بيّن للعباد ليس من الإضلال والإبعاد في شيء ، قال تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ .
« 1 » وهي وان كانت بمنطوقها في الاضلال بعد الهداية ، لكنّها بفحواها ناطقة بعدم الاضلال قبلها . وممّا يدلّ على الهداية العامّة ، قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً .
« 2 »
وقوله تعالى :
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ .
« 3 »
وقوله :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ .
« 4 »
وقوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
« 5 »
إلى غير ذلك من الآيات ؛ كقوله :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً . .
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ .
« 6 »
وخاصّ ؛ اى ومنه ما هو خاصّ ، وحيث إنّ من لازم الخاصّ ، اللّطف ببعض والمنع عن بعض ، يتحقّق للاضلال مورد ، وليس إلّا منعه الهداية ؛ كما قلت :
ومنعه ؛ اى منع الهدى ، هو الإضلال المنسوب إليه تعالى ، المذكور في الآيات ، وانّما يعنى به الخذلان والإيكال إلى نفسه ، وإلى من يوليه ؛ كما قال :
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
هامش
( 1 ) . التوبة 9 : 115 .
( 2 ) . الانسان 76 : 3 .
( 3 ) . آل عمران 3 : 138 .
( 4 ) . النحل 16 : 44 .
( 5 ) . إبراهيم 14 : 4 .
( 6 ) . الزمر 39 : 23 .