ومثل ما يعلم شيئا لم يقع * يعلم أن كيف يكون لو وقع
كعلمه بأنّه مؤجّل * مشروط أو مطلق أو معجّل
والجبر والخيار كيفان هما ؟ * فهل بجبر أو خيار علما ؟
والعلم لا يوجب محضا فعله * إلّا مع العلم بجبره له
والشيء لا يكون إلّا بقدر * فأىّ ذين خطّ في فعل البشر
ويعلم الفعل كما قد قدّره * في اللّوح أن يجبره أو يقدره
فعلمه به وعلمه بأن * قدّره جبرا بجبر مقترن
والخصم من أين له العلم بما * قدّره فهو برجم حكما
بل كان ممّا لا ارتياب للملل * أن خلق الإنسان مختار العمل
بجميع جهاتها وخصوصيّاتهما ، لا خصوص وقوعها ولا وقوعها ، ومثل ما يعلم شيئا لم يقع بعد في التكوين ، كما تقدّم تفصيله في العلم يعلم أيضا أن كيف يكون لو وقع ، لأنّه لا يجهل شيئا كعلمه ، بأنّه مؤجّل أو مشروط أو مطلق أو معجّل ، وغير ذلك من الكيفيّات والخصوصيّات ؛ فإنّ العلم يتعلّق بها قبل كون الشيء ، كما يتعلّق بنفس الشيء .
والجبر والخيار أيضا كيفان هما للفعل ، فلا بدّ من تعلّق العلم بهما قبل وقوع الفعل ، فهل بجبر أو خيار علم الفعل حين علمه ؟ اى شيء يقول الخصم فيه ؟ والعلم لا يوجب محضا وبوحدته فعله حتى يكون الفاعل موجبا ، إلّا مع العلم بجبره له ، حتّى يكون عالما بوقوعه وعالما بجبره معا ، وأيضا الشيء لا يكون إلّا بقدر كما تقدّم تفصيله . فأىّ ذين من الجبر أو الاختيار ، خطّ عند الخصم في فعل البشر ؟ ايّهما صار مكتوبا مقدّرا عليه عند تقدير الفعل ؟
وهو تعالى إنّما يعلم الفعل كما قد قدّره في اللّوح من الكيفيّة أن يجبره حين العمل أو يقدره ، وليس يعلمه مجملا ومجرّدا عن التقدير ، ولا ينفكّ علمه بالفعل عن علمه بالتّقدير ، فعلمه به ؛ اى بالفعل ، وعلمه بأن قدّره عليه جبرا لا اختيارا ، يوجب الجبر واقعا ، ومثل هذا العلم ، بجبر مقترن لا العلم بمجرّد الوقوع واللاوقوع . والخصم من أين له العلم بما قد قدّره الحكيم في اللّوح ، وهذا العلم له غير حاصل ، والحكم بالجبر بدونه باطل . فهو برجم منه بالغيب حكما بالجبر ، بل بالرّغم عليه كان ممّا لا ارتياب للملل لأهلها جميعا ، ومن المتّفق عليه جميع الأديان لا خصوص الاسلام ، أن خلق الإنسان مختار العمل ، وأنّه غير الجماد والنّبات وغير الحيوان المجبول في