ولم تكد قدرته من الأزل * تدفع الانقلاب عنه وهو جلّ
بل مقتضاهما معا لو أثّرا * اجتمع الضدّان إذ تغايرا
فإن توافقا تكاسرا معا * أو واحد قطعا وإلّا ارتفعا
بل كان مقهورا على ما فعله * عبد فلا يقدر أن يبدّله
بل ليس الاختيار ممّا خلقه * أصلا وليس قادرا أن يخلقه
ولم تكد قدرته من الأزل ، تدفع الانقلاب عنه ، وهو تعالى جلّ عن ذلك ؛ يعنى : أنّ المناط في تأثير العلم للإيجاب ، إنّما هو لزوم الانقلاب ، ولا يندفع هذا الانقلاب عند تخلّف العلم بمحض أنّ القدرة ازليّة ، بل مقتضاهما معا ، لو أثّرا اجتمع الوصفان الضدّان له تعالى ، الاضطرار بمقتضى العلم ، والاختيار بمقتضى الاقتدار ؛ إذ هما ؛ اى المقتضيان ، تغايرا بالملازمة ، ولا يمكن اجتماعها ، فلا بدّ في اجتماع العلم والقدرة من فرض التوافق بينهما ، فإن توافقا ، فالتوافق لا محالة يكون بأحد الوجهين ؛ كما هو شأن توافق كلّ ضدّين أو المتضادّين بلازمهما ، فامّا ان تكاسرا معا ، أو ينكسر واحد منهما قطعا كتكاسر سببي الحرارة والبرودة أو كسر أحدهما ، وإلّا ارتفعا ، ان لم يمكن اجتماعهما بالتّكاسر ؛ لأنّ العلم والقدرة ليسا من الضدين الّذين لا يمكن ارتفاعهما ، بل هما من المتخالفين يجوز اجتماعهما وارتفاعهما ، واجتماع كلّ مع ضدّ الآخر .
والحاصل : انّه لو فرض اقتضاء العلم للايجاب ، كان مقتضاه منافيا لمقتضى القدرة ، فلا بدّ من الالتزام بأحد الوجوه الثلاثة : امّا الثالث ، فلا يمكن القول به في الصانع عقلا وهو كفر محض شرعا ؛ والأوّل ، لا يعقل فرضه إلّا بفرض التكاسر في العلم والقدرة بالتّخصيص من حيث الموارد ، فيخصّ العلم بمورد والقدرة بمورد ؛ فيبقى الثاني ، ولازمه الالتزام بحكومة أحدهما واندكاك الآخر بالمغلوبيّة والانكسار ، إمّا العلم أو القدرة ، فليس له تعالى في فعله إلّا واحد منهما ، فلو حكّمنا العلم على ما قرّروه ، كان هو تعالى مقهورا في ارادته ، بل كان مقهورا أيضا ومغلوبا على ما فعله عبد ، لمكان علمه به المقتضى لجبره عليه ، إذن ، فلا يقدر أن يبدّله ، لأنّ تقديره يوجب خلاف علمه وتخلّفه ، وإذا كان غير قادر على التغيير ، فهو مقهور ، فليس العبد فقط مجبورا في فعله ، بل اللّه تعالى أيضا مجبور ؛ بل مقتضى تأثير العلم هذا الايجاب ، ان ليس الاختيار ممّا خلقه أصلا ؛ اى لم يخلقه في الوجود أصلا ؛ لأنّ العلم الأزلي ينافي الاختيار ، بل وليس قادرا أن يخلقه ، لأنّ العلم سبب للايجاب ، ومعه لا مجال