بل هو أولى بقبول عذر من * في العذر صادق ومن كاد يهن
لو كان جبر لم يحقّ بعث الرسل * والشّرع والتكليف واستوى السبل
قال : لا . » « 1 »
بل هو تعالى أولى بقبول عذر من في العذر صادق ، وهو تعالى عالم بصدقه ، ومن كاد اى مكر في عصيانه ، يهن بالعقوبة ، دون العاذر الصادق ؛ كما قال تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
« 2 » .
دخل طاوس اليماني على جعفر بن محمّد ( ع ) ، وهو يعلم أنّه يقول بالقدر ، فقال له : « يا طاوس ! من اقبل للعذر من اللّه ممّن اعتذر ، وهو صادق في اعتذاره ؟
فقال : لا أحد اقبل للعذر منه ؛ فقال ( ع ) : من أصدق ممّن قال لا أقدر وهو لا يقدر ؟ فقال طاوس : لا أحد أصدق منه ؛ فقال ( ع ) : يا طاوس ! فما بال من هو اقبل للعذر ، لا يقبل عذر من قال لا أقدر وهو لا يقدر ؟ فقام طاوس ، وهو يقول ليس بيني وبين الحقّ عداوة ،
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
« 3 » فقد قبلت نصيحتك . » « 4 »
وعن الطرائق : « روى كثير من المسلمين عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( ع ) :
أنه قال لبعض المجبّرة . . . » ثمّ ذكر الحديث بمضمونه .
[ اللوازم الفاسدة للقول بالجبر ، ولا محيص عن التزام بها ]
ثمّ إنّ للجبر لوازم ، لا محيص للقائل به عن الالتزام بها ، فان اقرّ بخلافها ظاهرا ، فلا مفرّ له عنها التزاما ، وفسادها وبطلانها عقلا واسلاما ، يدلّ على فساده وبطلانه الزاما ، لأنّ فساد اللّازم يدلّ على فساد الملزوم . وقد أشرت إلى تلك اللّوازم بقولي :
[ الأوّل : لو كان الجبر ، يكون بعث الرسل والشرع لغوا باطلا ]
لو كان جبر لم يحقّ ؛ اى لم يكن حقّا بعث الرسل ، والشّرع والتكليف ، بل كان كلّ ذلك لغوا وباطلا ؛ إذ لو كان فاعل الافعال كلّها ، هو اللّه تعالى ، دون العبد ، والعبد مقهور في ارادته ، فلا معنى لتشريعها عليه ، وطلبها ايجابا وتحذيرا منه ، ولا لبعث من يدعوه إليها . واستوى عند ذلك السبل كلّها ، في الكفر والايمان ؛ لأنّ كلّها فعل اللّه أو بتسبيبه القاهر للمؤمن والكافر والمطيع والفاجر .
هامش
( 1 ) . البحار 5 : 42 / 69 .
( 2 ) . آل عمران 3 : 54 .
( 3 ) . الانعام 6 : 124 .
( 4 ) . البحار 5 : 58 / 105 .