[ كلام الصادق ( ع ) في ردّ الثنويّة ]
وامّا ما قال الصادق ( ع ) في ردّ الثنويّة ، ففي الاحتجاج عن هشام بن الحكم ، في حديث طويل ، أنّه سأل الزنديق عن قول من زعم أن اللّه لم يزل طينة مؤذية ، فلم يستطع التفصّي عنها إلّا بامتزاجه بها ، ودخوله فيها ، فمن تلك الطينة خلق الأشياء ؟
قال ( ع ) : « سبحانه اللّه تعالى ما اعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة ، ان كانت الطينة حيّة ازليّة ، فكانا إلهين قديمين ، فامتزجا ودبّر العالم من أنفسهما ؛ فإن كان ذلك كذلك ، فمن اين جاء الموت والفناء ؟ وان كانت الطينة ميتة ، فلا بقاء للميّت مع الأزلي القديم ، والميّت لا تجئ منه حىّ . هذه مقالة الديصانيّة اشدّ الزنادقة قولا واهملهم مثلا ، نظروا في كتب قد صنفتها أوائلهم وحبروها لهم بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت ، ولا حجّة توجب اثبات ما ادّعوا كلّ ذلك ، خلافا على اللّه وعلى رسله ، وتكذيبا بما جاءوا به عن اللّه .
فامّا من زعم أنّ الأبدان ظلمة ، والأرواح نور ، وأنّ النّور لا يعمل الشرّ ، والظلمة لا تعمل الخير ، فلا يجب عليهم ان يلوموا أحدا على معصية ، ولا ركوب حرمة ، ولا اتيان فاحشة ؛ وإنّ ذلك على الظلمة غير مستنكر ؛ لأنّ ذلك فعلها ، ولا له ان يدعوا ربّا ولا يتضرّع إليه ؛ لأنّ النّور ربّ ، والرب لا يتضرّع إلى نفسه ، ولا يستعيذ بغيره ، ولا لأحد من أهل هذه المقالة ان يقول أحسنت وأسأت ، لأنّ الإساءة من فعل الظلمة ، وذلك من فعلها ، والإحسان من النّور ولا يقول النّور لنفسه أحسنت يا محسن ، وليس هناك ثالث ؛ فكانت الظلمة على قياس قولهم احكم فعلا ، واتقن تدبيرا ، واعزّ أركانا من النّور ؛ لأنّ الأبدان محكمة ، فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة ، وكلّ شيء يرى ظاهرا من الزهر والأشجار والثمار والطير والدوابّ ، يجب ان يكون آلها ، ثمّ حبست النّور في حبسها ، والدولة لها وما ادّعوا