أمّا الّذي يقول بالوجود * فمدّع لعلم أو شهود
قد حدّه وإن أبى التحديدا * شبّهه وإن رأى التوحيدا
وخاض فيه بل بكنه عيّنه * وإن يقل ليس الوجود يكتنه
مخلوق للوهم ، فإنّه وان كان كذلك ، الّا أنّ النّظر في الموهوم والمعقول من حيث نفسه ، لا من حيث كونه في الوهم أو في العقل ؛ وبعبارة أخرى ، النّظر إلى الوهم من حيث الطريقيّة لا النفسيّة ، فإنّ من يعبد بالتوهّم ، لا يعبد الصورة الموهومة له بما هي صورة في وهمه ، بل بما هي حاكية عن الواقع بزعمه .
وامّا ما يروونه كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في ادقّ معانيه فهو مخلوق لكم ، مردود إليكم ، فإلى الآن لم اظفر به « 1 » . فلو صحّ ، فالنّظر فيه من حيث الواقعيّة ؛ يعنى ، أنّه حيث يكون موهوما ، فلا واقعيّة له ، فليس إلّا جهة المخلوقيّة ، فهو مخلوق لكم ، مردود إليكم . هذا مذهب أهل البيت ( ع ) .
[ وأمّا القائل بالوجود ، قد حدّه تعالى ]
أمّا الّذي يقول بالوجود ، سواء خصّه به تعالى أو يعمّه ، وغيره على الوحدة أو التعدّد فمدّع لعلم به ، ان لم يكن من أهل الكشف أو شهود ، ان كان من أهله ، كيف يوافق قوله قولهم ( ع ) ؟ وهذا القائل قد حدّه بمحض قوله بأنّه الوجود . وإن أبى التحديدا في ظاهر قوله ، مثل ان يقول هو الوجود المطلق ، فإنّ محض قوله بأنّه وجود تقدير في العقل . وقد قال أمير المؤمنين ( ع ) : « فكلّ ما قدره عقل ، أو عرف له مثل ، فهو محدود . » « 2 » ويكفى في كونه محدودا ، أنّه عنده وجود لا غيره ، وهذا القائل لو كان من أهل الكشف ، فالتّحديد ظاهر ؛ إذ لا يمكن الكشف بالقلب بدون التحديد .
[ وهو أيضا ، قد شبّهه ]
وقد شبّهه أيضا ، وإن رأى التوحيدا وقال أنّه واحد لا شبه له ، إذا كان قائلا بوحدة الوجود أو تعدّده . وخاض هذا القائل فيه ؛ اى في ذاته على خلاف نهيهم ( ع ) عنه ؛ بل بكنه عيّنه ، حيث قال : « هو الوجود » ، وإن يقل ليس الوجود يكتنه ؛ كما قال السّبزوارى : « وكنهه في غاية الخفاء » فإنّه لا ينفعه في عدم الاكتناه بعد تعيين ذاته في
هامش
( 1 ) . حكى القشيري امام الصوفيّة في رسالته ( باب التوحيد ، ص 124 ) هذه العبارة عن الشبلي ، ذكر من جملة كلام الشبلي في التّوحيد ، أنه قال : « وكلّ ما ميّزتموه بأوهامكم وادركتموه بعقولكم في اتمّ معانيكم ، فهو مصروف ، مردود إليكم ، محدث ، مصنوع مثلكم . » وصحّ ذلك منه ، فهو متّخذ من منبع الوحي ، وفهمه اقصر من ذلك .
( 2 ) . البحار 4 : 294 / 22 .