تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفس والروح وشرح قواهما — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
الإمكان محوج إلى شيء معين في نفسه ، وكل ممكن فهو محتاج إلى ذلك المعين فلا مؤثر الا الواحد . ثم إن هؤلاء قالوا : الأرواح مغيرات لا أنها مؤثرات ، وقال آخرون الأرواح مؤثرة في عالم الأجسام مدبرة لها متصرفة فيها ، ونصروا هذا القول بوجوه فلسفية وشيدوها برموز نبوية ، فإنه تعالى قال : في صفة الملائكة :
« فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً »
وقال :
« فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً »
( 5 . إذا ثبت هذا ظهر على كلى القولين أن عالم الأرواح متوسط بين العالم الإلهي والعالم الجسماني متوسطا لا بالحيز والجهة بل بالشرف والرتبة ، فهي من حيث أنها مؤثرة في الجسمانيات ( ما ) كانت أدون منها . فلا جرم كانت هذه الدرجة متوسطة بين الدرجتين الأوليين . إذا عرفت هذا فنقول : إن الروحانيات ( 6 مراتب ودرجات فأعلاها مرتبة وأجلها درجة الذين ( الورقة 260 ظ ) يكونون مستغرقين في نور جلال الربوبية استغراقا تاما بحيث لا يتفرغون مع ذلك الاستغراق لتدبير العالم الجسماني ، فطعامهم التوحيد ، وشرابهم التفريد والتمجيد ، استغرقوا في أنوار جلاله ولم يتفرغوا للشيء سوى اللّه وهؤلاء هم الملائكة المقربون ، وقد عبر الكتاب الإلهي عن هذه المرتبة بقوله :
« وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ »
الآية ( 7 . ثم إن لهذا القسم من الروحانيات درجات في العرفان لا نهاية لها ، ولا يعرفها إلا اللّه ، لأنا بينا أن أنوار جلال اللّه لا نهاية لها ، فكذلك درجات العارفين في العرفان أيضا لا نهاية لها .
النفس والروح وشرح قواهما — صفحة 15 | فخر الدين الرازي