الفرع الثالث : أن النفوس التي ليس لها من القوة ما تقوى على الاتصال بعالم الغيب في حال اليقظة ربما استعانت في حال اليقظة بما يدهش الحس ، ويحير الخيال .
كما يستعين بعضهم بشد حثيث ، وبعضهم بتأمل شيء شفاف ، أو براق لامع ، يورث البصر ارتعاشا . فان كل ذلك مما يدهش الخيال . فتبتعد النفس بسبب خيرتها وانقطاعها في تلك اللحظة عن تدبير البدن ، لانتهاز فرصة ادراك الغيب . والشرط في هذا : أن يكون ذلك الانسان ضعيف العقل ، مصدقا لكل ما يحكى له عن مسيس الجن مثل الصبيان والنسوان ، والبلة . فهؤلاء إذا ضعفت حواسهم وكانت أوهامهم شديدة الانجذاب إلى مطلوب معين ، فحينئذ يقع لنفوسهم التفات في تلك اللحظة إلى عالم الغيب ويتلقى إلى ذلك المطلوب . فتارة يسمع خطابا .
ويظن أنه من جنى وتارة يتراءى له صورة مشاهدة ، فيظن أنها من أعوان الجن ، فيلقى إليه من الغيب ما ينطق به في أثناء ذلك الغشى ، فيأخذه السامعون ويبنون عليه تدابيرهم في مهماتهم .
فهذا منتهى ما قرره الشيخ الرئيسي في هذا الباب « 19 » .
واعلم : أن الأصل في جملة هذه التفاريع أصلان :
الأصل الأول : أن يقال : ان هذه الصور التي يشاهدها الأنبياء والأولياء وغيرهم ، ليست موجودة في الخارج لأنها لو كانت موجودة في الخارج ، لوجب أن يدركها كل من كان سليم الحس ، إذ لو جوزنا أن لا يحصل الادراك مع حصول هذه الشرائط ، لجاز أن يكون بحضرتنا جبال ورعود ونحن لا نراها ولا نسمعها ، وذلك يوجب الجهالات ( فيقال لهم :
هذه الجهالات ) « 20 » التي التزمتموها على هذا القول : هي على قولكم الزم .
وذلك لأنا لو جوزنا أن يرى الانسان صورا ، ويشاهدها ، ويتكلم
هامش
( 19 ) قرره الشيخ بن سينا في كتاب الإشارات والتنبيهات في الجزء الثالث - تحقيق سليمان دنيا .
( 20 ) من ( ل ، طا ) .