الثالث : لعله قام غضبا على ذلك القائل ، المدعى ، أو استهزاء به ، ويكون مقصوده : انه وان فعل ما التمسه منه ذلك الطالب ، لكنه لا يلتفت إليه ، ولا يقيم له وزنا نعم لا ينكر أن صدور ذلك الفعل من ذلك الملك « 8 » في ذلك الوقت على وفق دعوى المدعى يوهم ايهاما ضعيفا : أن الغرض هو تصديق ذلك المدعى . فأما أن يقال : انه يفيد القطع والجزم بأنه لا غرض له فيه الا هذا التصديق : فبعيد .
والاعتراض الثاني : ان نقول : سلمنا أن في الشاهد كما ذكرتم . فلم قلتم : انه يجب أن يكون في حق الله تعالى كذلك ؟
والفرق من وجوه :
الأول : أنا انما قضينا على ذلك الملك يكونه مصدقا لذلك المدعى في دعواه : إذا عرفنا أنه براعى مصالح ملكه ، وأنه لا يفعل فعلا تتشوش بسببه مملكته ، اما إذا اعتقدنا في ذلك الملك : انه لا يبالي بالمصالح والمفاسد البتة ، فإنه لا يحصل هذا الظن « 9 » . أو أن اعتقدنا فيه أنه يراعى المصالح والمفاسد « 10 » . لكنا نعتقد فيه أنه ملك بعيد الغور ، عظيم الفكر ، كامل .
العقل ، قد يأتي بأفعال يظن بها أنها توجب المفاسد العظيمة ، الا انه بعقله الكامل ، وفكره الغائص ، يعرف فيها من وجوه المصالح الخفية ما لا يقف عليه الغير البتة . فإذا اعتقدنا في الملك هذه الصفة ، لم يصر ظاهر أفعاله دليلا على التصديق والتكذيب . ومن المعلوم : أن أقسام حكمة الله تعالى في تدبير السماوات والأرض ، مما لا سبيل لاحد إلى الوقوف على معاقده وضوابطه .
فكيف يمكن قياس أحد البابين على الآخر ؟
الفرق الثاني : أن الملك في الشاهد - لو آتى بذلك المطلوب ، مع أن ذلك المدعى يكون كاذبا . لكان ذلك سعيا منه في ( افساد مملكته ، وذلك بعيد . لان سعيه في افساد مملكة نفسه ، سعى منه في ) « 11 » الحاق الضرر
هامش
( 8 ) المدعى ( ت ، ط )
( 9 ) الطعن ( ت ، ط ) .
( 10 ) أما ( طا ) .
( 11 ) من ( ل ) ، ( طا ) .