لم يمتنع أن يكون الفاعل لهذه المعجزات واحدا من الجن ، أو الشياطين .
ومع قيام هذا الاحتمال ، كيف يمكن الجزم بأن فاعل هذه المعجزات هو اللّه تعالى ؟ والعجب : أن الناس يجوزون دخول الجنى في بدن المصروع ، ويجوزون أن يتكلم ( الجنى على لسان المصروع ) « 17 » وأن يخبر عن الغيوب على لسان المصروع ، فلما جوزوا ذلك ، فلم لا يجوزون : أن الذئب لما تكلم مع الرسول عليه السلام ، أو الجمل ( لما تكلم معه ) « 18 » أو الذراع المسموم لما تكلم معه ، فذلك الكلام انما حصل لأجل ( أن الجنى نفذ في بطن ذلك ) الذئب والجمل والذراع ؟ ومع قيام هذا الاحتمال : فكيف فعلوا بأنه معجز حصل بخلق الله تعالى ؟
ولم لم يجوزوا أن يقال : أن انقلاب العصا حية ، كان من هذا الباب ؟
وأيضا : فلم لا يجوزون أن ( يقال : ان ) « 20 » فصاحة الجن ومردة الشياطين كانت وافية بمثل فصاحة القرآن ، فأتوا بهذا القرآن من عند أنفسهم ، والقوة على الرسول ؟ ( ومع هذا الاحتمال ، فكيف يمكن القطع بأنها من فعل الله ؟ ) « 21 » .
واعلم : أن هذا السؤال ، قد ذكره اللّه تعالى في القرآن ، فقال في سورة الشعراء :
« وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ »
« 22 » .
ثم قال بعده :
« وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ »
والتقرير : ( انه لما ادعى ) « 23 » انه تنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين على قلبه . فكأن قائلا قال : ولم لا يجوز أن يقال أنه من تنزيل الشياطين ؟ فلهذا السبب قال :
« وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ
هامش
( 17 ) يتكلم على لسانه ( ت ) .
( 18 ) من ( ل ) ، ( طا ) .
( 20 ) من ( طا ) .
( 21 ) من ( ل ) ، ( طا ) .
( 22 ) الشعراء 192 وما بعدها .
( 23 ) من ( ل ) ، ( طا ) .