تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي — صفحة 1181

مساهمون:

ص١١٨١
عليه الاعتراض الذي وجّهناه على الأول . ثم إنّ بين المحدث وبين الفعل فرقا ، وهو أنّ المحدث يعلم محدثا وإن لم يعلم أنّ له محدثا ، وليس كذلك الفعل ؛ فإنّه إذا علم فعلا علم أنّ له فاعلا ما وإن لم يعلمه بعينه . ولهذا عاب قاضي القضاة على الأشعري في نقض اللمع استدلاله على أنّ للعالم صانعا بقوله : قد ثبت أنّ العالم صنع فلا بدّ له من صانع ، فقال : إنّ العلم بأنّ العالم صنع يتضمّن العلم بأنّ له صانعا ، فكيف يصحّ هذا الاستدلال ؟ فحصل من هذه الجملة ، أنّه إذا علم الفعل فعلا يعلم أنّ له فاعلا ما على الجملة ، وإنّما يقع الكلام بعد ذلك في تعيين الفاعل ( ق ، ش ، 324 ، 16 ) - الذي يدلّ على أنّ المحدث لا يجوز كونه مخترعا من وجهين ، أنّه لو صحّ ذلك فيه ، كان لا يمتنع أن يحدث على أحد الوجهين دون الآخر ، ويجري وجها الحدوث فيه مجرى فعلين ؛ لأنّه لا يمكن أن يقال إنّ لأحد الوجهين تعلّقا بالآخر على وجه يقتضي أن لا يحصل إلّا وهو عليها جميعا ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى حاجته في كونه على كل واحد من الوجهين إلى كونه على الوجه الآخر ، ولأنّ التعلّق لا يصحّ في حالين مثلين ، كما لا يصحّ في الضدّين منه . وإذا صحّ ما قلناه ، وقد علمنا أنّ من حق ما يصحّ أن يخترع ويحدث أنّه متى لم يحدث بقي معدوما ، ولو صحّ كونه محدثا من وجهين ، لوجب إذا حدث على أحدهما دون الآخر بأن يكون موجودا معدوما ، كما أنّ أحد الفعلين إذا حدث دون الآخر وجب ذلك فيهما وكون الشيء موجودا معدوما يستحيل ، فما أدّى وجب فساده ( ق ، غ 4 ، 254 ، 16 ) إنّ المحدث لا يصحّ أن يحصل له في الحدوث إلّا صفة واحدة . فلو قدر عليه قادران ، لكان سبيله في هذه القضية سبيله إذا قدر عليه قادر واحد لما بيّناه . فإذا ثبت ذلك ، فلو قدر القادران على مقدور واحد ، لوجب متى وجد أن يكون فعلا لهما جميعا ؛ لأنّه لا صفة له في الحدوث إلّا صفة واحدة ، فلا يمكن أن يقال إنّ أحدهما يقدر أن يجعله على صفة ، والآخر على صفة أخرى ؛ لأنّنا قد دللنا على إبطال ذلك ( ق ، غ 4 ، 259 ، 1 ) - فإن قيل : إذا ثبت بالجملة التي ذكرتموها أنّ تصرّف زيد يتعلّق به ويحتاج إليه ؛ فلم قلتم : إنّه يحتاج إليه في الحدوث ، وإنّه حادث من جهته ؟ قيل له : لما بيّناه ، من أنّه لو لم يكن حادثا من جهته ، لعاد الأمر فيه إلى أنّه لا يتعلّق به ولا يحتاج إليه . وهذه الجملة تصحّ بأحد وجهين : إمّا بأن نبيّن ابتداء أنّه يحتاج إليه في حدوثه دون سائر أوصافه المفارقة للحدوث ؛ أو نبيّن أنّ سائر الصفات المعقولة للتصرّف لا يحتاج فيها إليه ؛ فيجب أن يحتاج إليه في حدوثه ، أو ما يتبع الحدوث . وقد بيّنا في باب إثبات المحدث كلا الوجهين . والأولى أن نعتمد عليه الوجه الأول ، وهو أن ما أوجب تعلّقه به هو الذي يوجب حاجته إليه من حيث كان محدثا ، لأنّ حدوثه من الحاصل بحسب قصده دون سائر أوصافه ، فيجب أن يحتاج إليه في الوجه الذي حصل عليه بحسب قصده . وقد بيّنا أنّ عدمه وكل صفة تختصّ حال العدم لا تعلّق لها به . وكذلك الصفات الراجعة إلى ما هو عليه في جنسه لا يحصل عليها بحسب قصده ، وإنّما يحصل حدوثه أو ما يتبع الحدوث بحسب أحواله ، فيجب أن يحتاج إليه فيها دون غيرها