تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
وخرجت هذه الوظيفة عن أهل عصبيّة الدولة . لأنّ الأمر لمّا كان خلافة دينيّة ، وهذه الخطة من مراسم الدين ، فكانوا لا يولّون فيها إلّا من أهل عصبيتهم من العرب ومواليهم بالحلف أو بالرق أو بالاصطناع ممن يوثق بكفايته أو غنائه فيم يدفع إليه . ولما انقرض شأن الخلافة وطورها وصار الأمر كله ملكا أو سلطانا صارت هذه الخطط الدينية بعيدة عنه بعض الشيء ، لأنّها ليست من ألقاب الملك ولا مراسمه ثم خرج الأمر جملة من العرب وصار الملك لسواهم من أمم الترك والبربر ، فازدادت هذه الخطط الخلافيّة بعدا عنهم بمنحاها وعصبيّتها . ( مقد 2 ، 632 ، 3 )

وفور العمران

- إنّ الظلم مؤذن بخراب العمران : اعلم أنّ العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم . وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك . وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب . فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه الآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها . وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته . والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنّما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين . فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران ، وانتقضت الأحوال وابذعرّ الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها . فخف ساكن القطر ، وخلت دياره ، وخربت أمصاره ، واختلّ باختلاله حال الدولة والسلطان ؛ لما أنّها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة . ( مقد 2 ، 741 ، 22 ) - في وفور العمران آخر الدولة وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات : اعلم أنّه قد تقرّر لك فيما سلف أنّ الدولة في أوّل أمرها لا بدّ لها من الرفق في ملكتها والاعتدال في إيالتها ، إمّا من الدين إن كانت الدعوة دينيّة ، أو من المكارمة والمحاسنة التي تقتضيها البداوة الطبيعيّة للدول . وإذا كانت الملكة رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا ، وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر ، ويكثر التناسل . وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنّما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الأقل . وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعيّ . فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء . ولا تقولنّ إنّه قد مرّ لك أنّ أواخر الدولة يكون فيها الإجحاف بالرعايا وسوء الملكة ، فذلك صحيح ، ولا يعارض ما قلناه ؛ لأنّ الإجحاف وإن حدث حينئذ وقلّت الجبايات فإنّما يظهر أثره في تناقص العمران بعد حين ، من أجل التدريج في