واعتبر ذلك في الدول والرئاسات تجده .
فكل من كان اصطناعه قبل حصول الرئاسة والملك لمصطنعه تجده أشدّ التحاما به ، وأقرب قرابة إليه ، ويتنزّل منه منزلة أبنائه وإخوانه وذوي رحمه . ومن كان اصطناعه بعد حصول الملك والرئاسة لمصطنعه لا يكون له من القرابة واللحمة ما للأوّلين .
وهذا مشاهد بالعيان ؛ حتى إن الدولة في آخر عمرها ترجع إلى استعمال الأجانب واصطناعهم ، ولا يبنى لهم مجد كما بناه المصطنعون قبل الدولة ، لقرب العهد حينئذ بأوّليتهم ومشارفة الدولة على الانقراض ، فيكونون منحطين في مهاوي الضعة . وإنما يحمل صاحب الدولة على اصطناعهم والعدول إليهم عن أوليائها الأقدمين وصنائعها الأولين ما يعتريهم في أنفسهم من العزّة على صاحب الدولة ، وقلّة الخضوع له ، ونظره بما ينظره به قبيله وأهل نسبه ، لتأكّد اللحمة منذ العصور المتطاولة بالمربى والاتصال بآبائه وسلف قومه ، والانتظام مع كبراء أهل بيته ؛ فيحصل لهم بذلك دالّة عليه واعتزاز ؛ فينافرهم بسببها صاحب الدولة ، ويعدل عنهم إلى استعمال سواهم ؛ ويكون عهد استخلاصهم واصطناعهم قريبا ، فلا يبلغون رتب المجد ، ويبقون على حالهم من الخارجية . وهكذا شأن الدول في أواخرها . وأكثر ما يطلق اسم الصنائع والأولياء على الأوّلين . وأمّا هؤلاء المحدثون فخدم وأعوان . ( مقد 2 ، 569 ، 3 )
ولاية العهد
- في ولاية العهد : اعلم أنّا قدمنا الكلام في الإمامة ومشروعيّتها لما فيها من المصلحة ، وأنّ حقيقتها النظر في مصالح الأمّة لدينهم ودنياهم ؛ فهو وليّهم والأمين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته ، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ، ويقيم لهم من يتولّى أمورهم كما كان هو يتولّاها ، ويثقون بنظره لهم في ذلك كما وثقوا به فيما قبل .
وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمّة على جوازه وانعقاده ، إذ وقع بعهد أبي بكر رضي اللّه عنه لعمر بمحضر من الصحابة وأجازوه وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر رضي اللّه عنه وعنهم . كذلك عهد عمر في الشورى إلى الستة ، بقيّة العشرة ، وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين ففوّض بعضهم إلى بعض ، حتى أفضى ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف ، فاجتهد وناظر المسلمين فوجدهم متّفقين على عثمان وعلى عليّ ، فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إيّاه على لزوم الاقتداء بالشيخين في كل ما يعن دون اجتهاده ، فانعقد أمر عثمان لذلك وأوجبوا طاعته .
والملأ من الصحابة حاضرون للأولى والثانية ، ولم ينكره أحد منهم . فدلّ على أنهم متّفقون على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيّته . والإجماع حجّة كما عرف .
ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنّه مأمون على النظر لهم في حياته ، فأولى ألا يحتمل فيها تبعة بعد مماته ، خلافا لمن قال باتهامه في الولد