( الصوفية ) ثم عند كمال المجاهدة وقطع مقامات السلوك يتقدّم بين يدي رفع الحجاب أنوار تومض إيماض البروق ولا تدوم يسمّونها باللوامح ، واللوامع ، والطوالع ؛ ثم يكون بعدها رفع الحجاب الذي يسمّونه بالمكاشفة ، فإن ارتقى إلى أقصى درجاته واتّضاحه سمّيت معرفة ومشاهدة وتجليا . ( شف ، 45 ، 3 )
وازع
- الاجتماع إذا حصل للبشر وتمّ عمران العالم بهم ، فلا بدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض ؛ لما في طباعهم الحيوانيّة من العدوان والظلم . وليست آلة السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنّها موجودة لجميعهم . فلا بدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض . ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم . فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة ؛ حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان ؛ وهذا هو معنى الملك . وقد تبيّن لك بهذا أنّه خاصّة للإنسان طبيعيّة ولا بدّ لهم منها . ( مقد 1 ، 338 ، 20 )
- لمّا تناقص الدين في الناس وأخذوا بالأحكام الوازعة ثم صار الشرع علما وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ، ورجع الناس إلى الحضارة وخلق الانقياد إلى الأحكام نقصت بذلك سورة البأس فيهم .
فقد تبيّن أنّ الأحكام السلطانيّة والتعليميّة مفسدة للبأس لأنّ الوازع فيها أجنبيّ ؛ وأمّا الشرعيّة فغير مفسدة لأنّ الوازع فيها ذاتيّ ، ولهذا كانت هذه الأحكام السلطانيّة والتعليميّة مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم ؛ والبدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآداب . ( مقد 2 ، 481 ، 13 )
- من أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض . فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه امتدّت يده إلى أخذه ، إلّا أن يصدّه وازع ، كما قال :
والظلم من شيم النفوس فإن تجد * ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
( مقد 2 ، 482 ، 8 )
- إنّ العرب لا يحصل لهم الملك إلّا بصبغة دينيّة من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة : والسبب في ذلك أنّهم لخلق التوحّش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمّة والمنافسة في الرئاسة ؛ فقلّما تجتمع أهواؤهم . فإذا كان الدين بالنبوّة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم ، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم ، فسهل انقيادهم واجتماعهم . وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس . فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر اللّه ،