تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
بمجرّدها ووضوحها . وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النّصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه ، فرارا من الغضاضة التي يتوهّمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه . ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل واحد على أهل ولائه وحلفه للأنفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب ؛ وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبا منها . ومن هذا تفهم معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم » ( سنن الترمذي ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في تعليم النسب ، ح 1979 ، 4 / 351 ) ؛ بمعنى أنّ النسب إنّما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنّعرة ، وما فوق ذلك مستغنى عنه ؛ إذ النسب أمر وهميّ لا حقيقة له ؛ ونفعه إنّما هو في هذه الوصلة والالتحام . فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النفوس على طبيعتها من النّعرة كما قلناه . وإذا كان إنّما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانا ومن أعمال اللهو المنهي عنه . ومن هذا الاعتبار معنى قولهم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر ؛ بمعنى أنّ النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس ، وانتفت النّعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه حينئذ . ( مقد 2 ، 484 ، 3 ) - اعلم أنّ كل حيّ أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضا عصبيّات أخرى لأنساب خاصّة هي أشدّ التحاما من النسب العام لهم ، مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين . فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام . والنّعرة تقع عن أهل نسبهم المخصوص وعن أهل النسب العام ؛ إلا أنّها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة . والرئاسة فيهم إنّما تكون في نصاب واحد منهم ولا تكون في الكل . ( مقد 2 ، 488 ، 7 )

نعرة وتناصر

- في أحوال الموالي والمصطنعين في الدول : اعلم أنّ المصطنعين في الدول يتفاوتون في الالتحام بصاحب الدولة بتفاوت قديمهم وحديثهم في الالتحام بصاحبها ، والسبب في ذلك أنّ المقصود في العصبيّة من المدافعة والمغالبة إنّما يتم بالنسب ، لأجل التنصر في ذوي الأرحام والقربى ، والتخاذل في الأجانب والبعداء كما قدمناه . والولاية والمخالطة بالرقّ أو بالحلف تتنزّل منزلة ذلك ؛ لأنّ أمر النسب وإن كان طبيعيّا فإنّما هو وهميّ ، والمعنى الذي كان به الالتحام إنّما هو العشرة والمدافعة وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع وسائر أحوال الموت