تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
ملوك على قومهم في النواحي القاصية يدينون بطاعة الدولة التي جمعتهم : مثل صنهاجة مع العبيديّين ؛ وزناتة مع الأمويّين تارة والعبيديّين تارة أخرى ؛ ومثل ملوك العجم في دولة بني العباس ؛ ومثل أمراء البربر وملوكهم مع الفرنجة قبل الإسلام ؛ ومثل ملوك الطوائف من الفرس مع الإسكندر وقومه اليونانيين ؛ وكثير من هؤلاء . فاعتبره تجده . ( مقد 2 ، 574 ، 4 )

ملك وسلطان

- الملك والسلطان حصل لأوّليه مذ أول الدولة بعصبية قومه ، وعصبيته التي استتبعتهم حتى استحكمت له ولقومه صبغة الملك والغلب ؛ وهي لم تزل باقية وبها انحفظ رسم الدولة وبقاؤها . وهذا المتغلّب وإن كان صاحب عصبية من قبيل الملك أو الموالي والصنائع فعصبيته مندرجة في عصبية أهل الملك وتابعة لها ، وليس له صبغة في الملك . وهو لا يحاول في استبداده انتزاع الملك ظاهرا وإنما يحاول انتزاع ثمراته من الأمر والنهي والحلّ والعقد والإبرام والنقض ، يوهم فيها أهل الدولة أنه متصرّف عن سلطانه ، منفّذ في ذلك من وراء الحجاب لأحكامه . فهو يتجافى عن سمات الملك وشاراته وألقابه جهده ، ويبعد نفسه عن التهمة بذلك ، وإن حصل له الاستبداد لأنه مستتر في استبداده ذلك بالحجاب الذي ضربه السلطان وأوّلوه على أنفسهم عن القبيل منذ أول الدولة ، ومغالط عنه بالنيابة . ولو تعرّض لشيء من ذلك لنفسه عليه أهل العصبيّة وقبيل الملك ، وحاولوا الاستئثار به دونه ؛ لأنه لم تستحكم له في ذلك صبغة تحملهم على التسليم له والانقياد ؛ فيهلك لأول وهلة . ( مقد 2 ، 572 ، 3 ) - اعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتّساع عمله أو جودة خطّه أو ثقوب ذهنه ، وإنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم ؛ فإن الملك والسلطان من الأمور الإضافية ، وهي نسبة بين منتسبين . فحقيقة السلطان أنه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم : فالسلطان من له رعية ؛ والرعية من لها سلطان ؛ والصفة التي له من حيث إضافته لهم هي التي تسمّى الملكة وهي كونه يملكهم . فإذا كانت هذه الملكة وتوابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على أتمّ الوجوه ؛ فإنها إن كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم ؛ وإن كانت سيّئة متعسّفة كان ذلك ضررا عليهم وإهلاكا لهم . ويعود حسن الملكة إلى الرفق . فإن الملك إذا كان قاهرا ، باطشا بالعقوبات ، منقّبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم ، شملهم الخوف والذلّ ؛ ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلّقوا بها ، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم ؛ وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات ، ففسدت الحماية بفساد النيّات ؛ وربما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدولة ويخرّب السّياج ؛