من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم . فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة ؛ حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان ؛ وهذا هو معنى الملك . وقد تبيّن لك بهذا أنّه خاصّة للإنسان طبيعيّة ولا بدّ لهم منها . ( مقد 1 ، 339 ، 6 )
- إنّ القبيل الواحد وإن كانت فيه بيوتات متفرّقة وعصبيّات متعدّدة فلا بدّ من عصبيّة تكون أقوى من جميعها تغلبها وتستتبعها وتلتحم جميع العصبيّات فيها ، وتصير كأنّها عصبيّة واحدة كبرى ؛ وإلّا وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتنازع
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
( البقرة : 251 ) . ثم إذا حصل التغلّب بتلك العصبيّة على قومها طلبت بطبعها التغلّب على أهل عصبيّة أخرى بعيدة عنها . فإن كافأتها أو مانعتها كانوا أقتالا وأنظارا ، ولكلّ واحدة منهما التغلّب على حوزتها وقومها ، شأن القبائل والأمم المفترقة في العالم . وإن غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا ، وزادتها قوّة في التغلّب إلى قوّتها ، وطلبت غاية من التغلّب والتحكّم أعلى من الغاية الأولى وأبعد . وهكذا دائما حتى تكافئ بقوّتها قوّة الدولة . فإن أدركت الدولة في هرمها ولم يكن لها ممانع من أولياء الدولة أهل العصبيّات استولت عليها وانتزعت الأمر من يدها ، وصار الملك أجمع لها . وإن انتهت إلى قوّتها ولم يقارن ذلك هرم الدولة وإنّما قارن حاجتها إلى استظهار بأهل العصبيّات انتظمتها الدولة في أوليائها تستظهر بها على ما يعن من مقاصدها .
وذلك ملك آخر دون الملك المستبد . وهو كما وقع للترك في دولة بني العباس ، ولصنهاجة وزناتة مع كتامة ، ولبني حمدان مع ملوك الشيعة من العلوية والعباسية .
( مقد 2 ، 500 ، 14 )
- الملك هو غاية العصبية وأنها إذا بلغت إلى غايتها حصل للقبيلة الملك ، إما بالاستبداد أو بالمظاهرة على حسب ما يسعه الوقت المقارن لذلك . وإن عاقها عن بلوغ الغاية عوائقة . . . وقفت في مقامها إلى أن يقضي اللّه بأمره . ( مقد 2 ، 500 ، 17 )
- إنّ من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس : لمّا كان الملك طبيعيّا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلناه ، وكان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته وقوّته الناطقة العاقلة ، لأنّ الشر إنّما جاءه من قبل القوى الحيوانيّة التي فيه ، وأمّا من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب ، والملك والسياسة إنّما كانا له من حيث هو إنسان ، لأنّها خاصة للإنسان لا للحيوان ؛ فإذا خلال الخير فيه هي التي تناسب السياسة والملك ، إذ الخير هو المناسب للسياسة . وقد ذكرنا أنّ المجد له أصل ينبني عليه ، وتتحقّق به حقيقته وهو العصبيّة والعشير ، وفرع يتمّ وجوده ويكمّله وهو الخلال . وإذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ومتمّماتها ،