لطيفة ربانية
- اعلم أن اللّه سبحانه خلق هذا الإنسان مركّبا من جثمان ظاهر ، وهيكل محسوس وهو الجسد ، ومن لطيفة ربانية أودعه إيّاها وأركبها مطيّة بدنه ، وهذه اللطيفة مع البدن بمنزلة الفارس مع الفرس ، والسلطان مع الرعية ، تصرّف البدن في طوعها ، وتحرّكه في إرادتها ، لا يملك عليها شيئا ، ولا يقدر على معاصاتها طرفة عين ، لما ملكها اللّه من أمره ، وبثّ من قواها فيه ، وهي التي يعبّر عنها في الشرع تارة بالروح ، وتارة بالقلب ، وتارة بالعقل ، وتارة بالنفس ، وإن كانت هذه الألفاظ مشتركة بينها وبين مدلولات أخرى . ( شف ، 18 ، 18 )
- اعلم أن هذه اللطيفة ( الربّانية ) لما ارتكبت مطية البدن وبثّت قواها فيه للاستكمال بحياتها الدنيا ، ثم كانت من عالم الأمر والملكوت ، تعيّنت لها جهتان تكتسب منهما كمالها بالعلوم والمعارف ، إحداهما جهة هذه الحياة الدنيا التي خلقت لها ، وجميع ما فيها مسخّر لها ، والأخرى جهة عالمها الذي نشأتها منه ، وذاتها من طبيعة ذواته ؛ فجهة الحياة الدنيا والعالم الأسفل تكتسب منها العلوم والمعارف ببسط أحوال الحواس الظاهرة على المدركات بانتزاع صورها في الخيال ، ثم تجريد المعاني المعقولة منها ، ثم تصرف الفكر فيها بالتركيب والتحليل ونظم الأقيسة حتى يحصل مطلوبها الذي تتوجّه إليها ، ويسمّى هذا العلم كسبيا ؛ وجهة العالم الأعلى وعالم الأمر وعالم الروحانيات تكتسب منه بتصفيتها عن كدورات الرذائل وتخليصها من ظلم البشرية ، فتتعرّض بذلك لنفحات الرحمة ، ومهبّ الكمال والسعادة ، فتلوح أنوار العلم والمعرفة في القلب . ثم إن صفاءها عن الكدرات ، وتخليصها بالمجاهدة ، إن كان بغريزة مركوزة في الجبلة من لدن نشوئه - وهي العصمة - مانعة من مقارفة جميع ما تتوهّم فيه مخالفة ، وكانت الظلم البشرية ممحوّة ، وحظّ الشيطان منزوعا من القلب بنور النبوّة كان العلم اللائح من ذلك العالم بسبب يورده ويلقيه مع مشاهدة المورد له وهو الملك ، وهذا هو الوحي ، وهو علم الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، وهو أرفع مراتب العلم . وأما إن كانت التصفية والتخليص باكتساب وطريق صناعي ، فإن العلم المفاد عنه لا يشعر بسببه ولا مورده ، وإنما يكون نفثا في الروع وهو دون العلم الأول ، وهذه علوم الأولياء والصديقين ، وهي العلوم الإلهامية والكشفية واللدنية . ( شف ، 21 ، 13 )
- لما فطر ( اللّه عزّ وجلّ ) هذه اللطيفة الربانية على الاستكمال بالمعرفة والعلم بحقائق تلك الموجودات وصفات موجدها جعل لها جانبين : جانب تجاه الوجود الحسّي يؤدّي إليها صور تلك الوجودات ينتزعها الحسّ من الموجودات انتزاعا ، ثم يجرّد العقل معانيها تجريدا ثم يرتّبها الخيال والفكر ترتيبا مفيدا . وجانب تجاه ذلك اللوح يتعرّض به إلى انطباع صور تلك