عوائد
- العوائد منزلة طبيعية ؛ فإن من أدرك مثلا أباه وأكثر أهل بيته يلبسون الحرير والديباج ، ويتحلّون بالذهب في السلاح والمراكب ، ويحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات ، فلا يمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في اللباس والزي والاختلاط بالناس ؛ إذ العوائد حينئذ تمنعه وتقبح عليه مرتكبه . ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في الخروج عن العوائد دفعة ، وخشي عليه عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه . ( مقد 2 ، 754 ، 16 )
- إنّ العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مألوفها ؛ فهو ابن عوائده لا ابن نسبه .
ومع ذلك فالخديم الذي يستكفي به ويوثق بغنائه كالمفقود . إذ الخديم القائم بذلك لا يعدو أربع حالات : إمّا مضطلع بأمره وموثوق فيما يحصل بيده ؛ وإمّا بالعكس فيهما ، وهو أن يكون غير مضطلع بأمره ولا موثوق فيما يحصل بيده ؛ وإمّا بالعكس في إحداهما فقط ، مثل أن يكون مضطلعا غير موثوق أو موثوقا غير مضطلع . فأمّا الأول وهو المضطلع الموثوق فلا يمكن أحدا استعماله بوجه ؛ إذ هو باضطلاعه وثقته غنيّ عن أهل الرتب الدنيّة ومحتقر لمنال الأجر من الخدمة لاقتداره على أكثر من ذلك ، فلا يستعمله إلّا الأمراء أهل الجاه العريض لعموم الحاجة إلى الجاه .
وأمّا الصنف الثاني وهو من ليس بمضطلع ولا موثوق ، فلا ينبغي لعاقل استعماله لأنّه يجحف بمخدومه في الأمرين معا ، فيضيع عليه لعدم الاضطلاع تارة ، ويذهب ماله بالخيانة أخرى ، فهو على كل حال كلّ على مولاه . فهذان الصنفان لا يطمع أحد في استعمالهما . ولم يبق إلّا استعمال الصنفين الآخرين : موثوق غير مضطلع ؛ ومضطلع غير موثوق . وللناس في الترجيح بينهما مذهبان ، ولكل من الترجيحين وجه .
إلّا أنّ المضطلع ولو كان غير موثوق أرجح لأنّه يؤمن من تضييعه ، ويحاول على التحرّز عن خيانته جهد الاستطاعة . وأمّا المضيع ولو كان مأمونا فضرره بالتضييع أكثر من نفعه . فاعلم ذلك واتّخذه قانونا في الاستكفاء بالخدمة . ( مقد 2 ، 912 ، 15 )
عوائق الملك
- من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم ، وسبب ذلك أنّ القبيل إذا غلبت بعصبيّتها بعض الغلب استولت على النعمة بمقداره وشاركت أهل النعم والخصب في نعمتهم وخصبهم ، وضربت معهم في ذلك بسهم وحصّة بمقدار غلبها واستظهار الدولة بها . فإن كانت الدولة من القوّة بحيث لا يطمع أحد في انتزاع أمرها ولا مشاركتها فيه أذعن ذلك القبيل لولايتها ، والقنوع بما يسوغون من نعمتها ويشركون فيه من جبايتها ، ولم تسم آمالهم إلى شيء من منازع الملك ولا أسبابه ، إنّما همّتهم النعيم والكسب وخصب العيش والسكون في ظل الدولة إلى الدّعة والراحة والأخذ بمذاهب الملك في المباني