منه ، لا بدّ من ذلك . وكل متّخذ لقوته تفضل عنه وعن أهل بيته فضلة كبيرة تسدّ خلّة كثيرين من أهل ذلك المصر ، فتفضل الأقوات عن أهل المصر من غير شك ، فترخص أسعارها في الغالب ، إلّا ما يصيبها في بعض السنين من الآفات السماوية . ولولا احتكار الناس لها لما يتوقّع من تلك الآفات لبذلت دون ثمن ولا عوض لكثرتها بكثرة العمران . وأمّا سائر المرافق من الأدم والفواكه وما إليها ، فإنّها لا تعمّ بها البلوى ولا يستغرق اتّخاذها أعمال أهل المصر أجمعين ، ولا الكثير منهم . ثم إنّ المصر إذا كان مستبحرا موفور العمران كثير حاجات الترف توفّرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق والاستكثار منها ، كلّ بحسب حاله ، فيقصر الموجود منها عن الحاجات قصورا بالغا ، ويكثر المستامون لها وهي قليلة في نفسها ، فتزدحم أهل الأغراض ، ويبذل أهل الرّفه والترف أثمانها بإسراف في الغلاء ، لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم ، فيقع فيها الغلاء كما تراه . ( مقد 2 ، 876 ، 12 )
- أمّا الصنائع والأعمال في الأمصار الموفورة العمران فسبب الغلاء فيها أمور ثلاثة : الأول كثرة الحاجة لمكان الترف في المصر بكثرة عمرانه ؛ والثاني اعتزاز أهل الأعمال بخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها ؛ والثالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى استعمال الصنّاع في مهنهم ، فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها ، فيعتز العمّال والصنّاع وأهل الحرف وتغلو أعمالهم ، وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك . ( مقد 2 ، 876 ، 14 )
- الحضارة تتفاوت بتفاوت العمران ، فمتى كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل ، وقد كنّا قدمنا ( ابن خلدون ) أنّ المصر الكثير العمران يختصّ بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته ، ثمّ تزيدها المكوس غلاء لأنّ الحضارة إنّما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها وهو زمن وضع المكوس في الدولة لكثرة خرجها حينئذ كما تقدّم ؛ والمكوس تعود على البيّاعات بالغلاء ؛ لأنّ السوقة والتجّار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتى في مئونة أنفسهم . فيكون المكس لذلك داخلا في قيم المبيعات وأثمانها ؛ فتعظم نفقات أهل الحضارة ويخرج عن القصد إلى الإسراف ، ولا يجدون وليجة عن ذلك ، لما ملكهم من أثر العوائد وطاعتها ، وتذهب مكاسبهم كلّها في النفقات ويتتابعون في الإملاق والخصاصة ويغلب عليهم الفقر ، ويقلّ المستامون للمبايع ، فتكسد الأسواق ويفسد حال المدينة .
وداعية ذلك كله إفراط الحضارة والترف ؛ وهذه مفسدات في المدينة على العموم في الأسواق والعمران . ( مقد 2 ، 889 ، 2 )
- التاجر البصير بالتجارة لا ينقل من السلع إلّا ما تعمّ الحاجة إليه من الغني والفقير والسلطان والسوقة ، إذ في ذلك نفاق سلعته . وأمّا إذا اختصّ نقله بما يحتاج إليه
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 210
مساهمون: رفيق العجم
ص٢١٠