غيرها مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل ، إلا أنّ العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر . وإن كان من غير الصنائع فلا بدّ في قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به ، إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها . وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصّة من القيمة عظمت أو صغرت . وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس ، فإن اعتبار الأعمال والنفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدّمناه ؛ لكنه خفيّ في الأقطار التي علاج الفلح فيها ومئونته يسيرة ، فلا يشعر به إلّا القليل من أهل الفلح . فقد تبيّن أنّ المفادات والمكتسبات كلّها أو أكثرها إنّما هي قيم الأعمال الإنسانيّة ، وتبين مسمّى الرزق وأنّه المنتفع به . فقد بان معنى الكسب والرزق وشرح مسمّاهما . ( مقد 2 ، 908 ، 11 )
- اعلم أنّه إذا فقدت الأعمال أو قلّت بانتقاص العمران تأذّن اللّه برفع الكسب .
ألا ترى إلى الأمصار القليلة الساكن كيف يقلّ الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلّة الأعمال الإنسانيّة . وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالا وأشدّ رفاهية . . . ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنّها قد ذهب رزقها . حتى إن الأنهار العيون وينقطع جريها في القفر ؛ لما أنّ فور العيون إنّما يكون بالإنباط والامتراء الذي هو بالعمل الإنساني ، كالحال في ضروع الأنعام . فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت بالجملة ، كما يجفّ الضّرع إذا ترك امتراؤه . وانظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لأيّام عمرانها ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنّها لم تكن . ( مقد 2 ، 910 ، 4 )
- إنّ الإنسان لا يسمح بعمله أن يقع مجّانا لأنّه كسبه ومنه معاشه ، إذ لا فائدة له في جميع عمره في شيء ممّا سواه ؛ فلا يصرفه إلّا فيما له قيمة في مصره ليعود عليه بالنفع . وإن كانت الصناعة مطلوبة وتوجّه إليها النّفاق كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع ، فتجتهد الناس في المدينة لتعلّم تلك الصناعة ليكون منها معاشهم ، وإذا لم تكن الصناعة مطلوبة لم تنفق سوقها ، ولا يوجّه قصد إلى تعلّمها ، فاختصّت بالترك وفقدت للإهمال . ولهذا يقال عن علي رضي اللّه عنه : « قيمة كل امرئ ما يحسن » ، بمعنى أنّ صناعته هي قيمته أي قيمة عمله الذي هو معاشه . وأيضا فهنا سر آخر وهو أن الصنائع وإجادتها إنّما تطلبها الدولة ، فهي التي تنفق سوقها وتوجّه الطلبات إليها ، وما لم تطلبه الدولة وإنّما يطلبها غيرها من أهل المصر فليس على نسبتها ؛ لأنّ الدولة هي السوق الأعظم . وفيها نفاق كل شيء ، والقليل والكثير فيها على نسبة واحدة ، فما نفق منها كان أكثريّا ضرورة . والسوقة وإن طلبوا الصناعة فليس طلبهم بعام ، ولا سوقهم بنافقة . ( مقد 2 ، 940 ، 4 )
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 206
مساهمون: رفيق العجم
ص٢٠٦